الشنقيطي

127

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي اللّه ! كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل اللّه عز وجل : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) [ الأنفال : 9 ] فأمده اللّه بالملائكة . . الحديث « 1 » . ومحل الشاهد منه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تعبد في الأرض » فعل في سياق النفي فهو بمعنى : لا تقع عبادة لك في الأرض ، لأن الفعل ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين . وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين . فالمصدر كامن في مفهومه إجماعا ، فيتسلط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي ، وهي من صيغ العموم كما تقدم إيضاحه في سورة « بني إسرائيل » وإلى كون الفعل في سياق النفي والشرط من صيغ العموم أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يفيد العموم : ونحو لا شربت أو إن شربا * واتفقوا إن مصدر قد جلبا فإذا علمت أن معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض » أي لا تقع عبادة لك في الأرض . فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيا في الأرض ، لأنه على تقدير وجوده حيا في الأرض فإن اللّه يعبد في الأرض ، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام ؛ لأن الخضر ما دام حيا فهو يعبد اللّه في الأرض . وقال البخاري في صحيحه : حدثني محمد بن عبد اللّه بن حوشب حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر : « اللهم أنشدك عهدك ووعدك . اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض » فأخذ أبو بكر بيده فقال : حسبك ! فخرج وهو يقول : « سيهزم الجمع ويولون الدبر » « 2 » ؛ فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الحديث : « اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض » أي إن شئت إهلاك هذه الطائفة من أهل الإسلام لم تعبد في الأرض ؛ فيرجع معناه إلى الرواية التي ذكرنا عن مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . وقد بينا وجه الاستدلال بالحديث عن وفاة الخضر . الثالث - إخباره صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة ، فلو كان الخضر حيا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة . قال مسلم بن الحجاج رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا محمد بن رافع . وعبد بن حميد ، قال محمد بن رافع : حدثنا ، وقال عبد : أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري ، أخبرني سالم بن عبد اللّه وأبو بكر بن سليمان : أن عبد اللّه بن عمر قال : صلى

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجهاد والسير حديث 58 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجهاد والسير حديث 2915 ، والمغازي حديث 3953 ، والتفسير حديث 4875 .