الشنقيطي

126

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قال مقيده عفا اللّه عنه : والاستدلال على حياة الخضر بآثار التعزية كهذا الأثر الذي ذكرنا آنفا - مردود من وجهين : الأول - أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح . قال ابن كثير في تفسيره « 1 » : وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن ، ثم إلى يوم القيامة قولين ، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه . وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم . وجاء ذكره في بعض الأحاديث ، ولا يصح شيء من ذلك . وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف ؛ ا ه . منه . الثاني - أنه على فرض أن حديث التعزية صحيح لا يلزم من ذلك عقلا ولا شرعا ولا عرفانا أن يكون ذلك المعزي هو الخضر ؛ بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن ؛ لأن الجن هم الذين قال اللّه فيهم : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] . ودعوى أن ذلك المعزي هو الخضر تحكم بل دليل . وقولهم : كانوا يرون أنه الخضر ليس حجة يجب الرجوع إليها ؛ لاحتمال أن يخطئوا في ظنهم ، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم ، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى . قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن الخضر ليس بحي بل توفي ، وذلك لعدة أدلة : الأول - ظاهر عموم قوله تعالى : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ( 34 ) [ الأنبياء : 34 ] ، فقوله « لبشر » نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر - فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله . والخضر بشر من قبله ؛ فلو كان شرب من عين الحياة وصار حيا خالدا إلى يوم القيامة لكان اللّه قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد . الثاني - قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض » فقد قال مسلم في صحيحه : حدثنا هناد بن السري ، حدثنا ابن المبارك عن عكرمة بن عمار ، حدثني سماك الحنفي قال : سمعت ابن عباس يقول : حدثني عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر - ( ح ) وحدثنا زهير بن حرب واللفظ له ، حدثنا عمر بن يونس الحنفي ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثني أبو زميل هو زميل الحنفي ، حدثني عبد اللّه بن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ؛ فاستقبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : « اللهم أنجز لي ما وعدتني . اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض » فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ؛ فأتاه أبو

--> ( 1 ) التفسير 3 / 100 .