الشنقيطي

125

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ومما يدل على ما ذكرنا من كلام أهل الصوفية المشهود لهم بالخير والدين والصلاح - قول الشيخ أبي القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري رحمه اللّه : ( مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ) ، نقله عنه غير واحد ممن ترجمه رحمه اللّه ، كابن كثير وابن خلكان وغيرهما . ولا شك أن كلامه المذكور هو الحق ، فلا أمر ولا نهي إلا على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام له في قوله : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الكهف : 82 ] دليل ظاهر على نبوته . وعزا الفخر الرازي في تفسيره القول بنبوته للأكثرين ، ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى عليه الصلاة والسلام له في قوله : قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) [ الكهف : 66 ] ، وقوله : قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) [ الكهف : 69 ] مع قول الخضر له وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) [ الكهف : 68 ] . مسألة اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر : هل هو حي إلى الآن ، أو هو غير حي ، بل ممن مات فيما مضى من الزمان ؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي ، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة . وممن نصر القول بحياته القرطبي في تفسيره ، والنووي في شرح مسلم وغيره ، وابن الصلاح ، والنقاش وغيرهم . قال ابن عطية : وأطنب النقاش له هذا المعنى ، يعني حياة الخضر وبقاءه إلى يوم القيامة . وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب ، وكلها لا تقوم على ساق - انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره . وحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر . ودعواهم أنه يحج هو وإلياس كل سنة ، ويروون عنهما بعض الأدعية ؛ كل ذلك معروف . ومستند القائلين بذلك ضعيف جدا ؛ لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به الصلاح . ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره ، وكلها ضعيف لا تقوم به حجة . ومن أقواه عند القائلين به - آثار التعزية حين توفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد ذكر ابن عبد البر في تميهده عن علي رضي اللّه عنه قال : لما توفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وسجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته . السلام عليكم أهل البيت كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ العنكبوت : 57 ] الآية . إن في اللّه خلفا من كل هالك ، وعوضا من كل تالف ، وعزاء من كل مصيبة - فباللّه فاتقوا ، وإياه فارجو ؛ فإن المصاب من حرم الثواب . فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام ؛ يعني أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره « 1 » .

--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 11 / 44 .