الشنقيطي

124

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام اللّه تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه ، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل . فمن قال إن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث يستغنى عن الرسل - فهو كافر يقتل ولا يستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب . ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ الذي قد جعله اللّه خاتم أنبيائه ورسله ، فلا نبي بعده ولا رسول . وبيان ذلك - أن من قال : يأخذ عن قلبه ؛ وأن ما يقع فيه حكم اللّه تعالى ، وأنه يعمل بمقتضاه ، وأنه ولا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة - فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة ؛ فإن هذا نحو ما قاله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن روح القدس نفث في روعي . . » الحديث . انتهى من تفسير القرطبي . وما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه ، وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم ، وما يرجحه الدليل في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة « آل عمران » . وما يستدل به بعض الجهلة ممن يعدي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث « استفت قلبك وأن أفتاك الناس وأفتوك » - لا دليل فيه البتة على اعتبار الإلهام : لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به أن المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب ، بل من الحديث : التحذير من الشبه ، لأن الحرام بين والحلال بين ، وبينهما أمور مشتبهة لا يعلمها كل الناس . فقد يفتيك المفتي بحلية شيء وأنت تعلم من طريق أخرى أنه يحتمل أن يكون حراما ، وذلك باستناد إلى الشرع ، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة ، والحديث ، كقوله « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس » رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي اللّه عنه ، وحديث وابصة بن معبد رضي اللّه عنه المشار إليه قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « جئت تسأل عن البر » ؟ قلت نعم : قال : « استفت قلبك . البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأنت إليه القلب . والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك » قال النووي في ( رياض الصالحين ) : حديث حسن ، رواه أحمد والدارمي في مسنديهما . ولا شك أن المراد بهذا الحديث ونحوه - الحث على الورع وترك الشبهات ، فلو التبست مثلا ميتة بمذكاة ، أو امرأة محرم بأجنبية ، وأفتاك بعض المفتيز بحلية إحداهما لاحتمال أن تكون هي المذكاة في الأول ، والأجنبية في الثاني ؛ فإنك إذا استفتيت قلبك علمت أنه يحتمل أن تكون هي الميتة أو الأخت ، وأن ترك الحرام والاستبراء للدين والعرض - لا يتحقق إلا بتجنب الجميع ، لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب . فهذا يحيك في النفس ولا تنشرح له ، لاحتمال الوقوع في الحرام فيه كما ترى . وكل ذلك مستند لنصوص الشرح لا للالهام .