الشنقيطي

123

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أوامر اللّه ونواهيه ، وما يتقرب إليه به من فعل وترك - إلا عن طريق الوحي . فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل ، وما جاؤوا به ولو في مسألة واحدة - فلا شك في زندقته . والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى ، قال تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهاما . وقال تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] . وقال : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ [ طه : 134 ] الآية . والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا . وقد بينا طرفا من ذلك في سورة « بني إسرائيل » في الكلام على قوله : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] . وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقا باطنة توافق الحق عند اللّه ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع ، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى - زندقة ، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام ، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره . قال القرطبي رحمه اللّه في تفسيره ما نصه : قال شيخنا الإمام أبو العباس : ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا : هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة . وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص ؛ بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم . ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم . وقالوا : وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار ، وخلوها عن الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية ، والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكائنات ، ويعلمون أحكام الجزئيات ، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم . وقد جاء فيما ينقلون « استفت قلبك وإن أفتاك المفتون » « 1 » . قال شيخنا رضي اللّه عنه : وهذا القول زندقة وكفر ، يقتل قائله ولا يستتاب . لأنه إنكار ما علم من الشرائع ، فإن اللّه تعالى قد أجرى سنته ، وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه ، وهم المبلغون عنه رسالتهم وكلامه ، المبينون شرائعه وأحكامه ، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك ، كما قال تعالى : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 75 ) [ الحج : 75 ] ، وقال تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] وقال تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [ البقرة : 213 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وعلى الجملة ، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري ، واجتماع

--> ( 1 ) أخرجه عن وابصة بن معبد : الدارمي في البيوع ، باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، وأحمد في المسند 4 / 227 ، 228 .