الشنقيطي

122

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 5 ) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ الدخان : 4 - 5 ] الآية ، وقوله تعالى في آخر « القصص » : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ القصص : 86 ] الآية . ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ( 113 ) [ النساء : 113 ] ، وقوله : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ [ يوسف : 68 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها . والاستدلال بالأعم على الأخص فيه أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف . ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن اللّه بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الكهف : 82 ] أي وإنما فعلته عن أمر اللّه جل وعلا . وأمر اللّه إنما يتحقق عن طريق الوحي ، إذ لا طريق تعرف بها أوامر اللّه ونواهيه إلا الوحي من اللّه جل وعلا . ولا سيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر ، وتعييب سفن الناس بخرقها . لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من اللّه تعالى . وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [ الأنبياء : 45 ] و « إنما » صيغة حصر . فإن قيل : قد يكون ذلك عن طريق الإلهام ؟ فالجواب - أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء ، لعدم العصمة ، وعدم الدليل على الاستدلال به . بل لوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به ، وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره ، وما يزعمه بعض الجبرية أيضا من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع مستدلين بظاهر قوله تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] ، وبخبر « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » « 1 » كله باطل لا يعول عليه ، لعدم اعتضاده بدليل . وغير المعصوم لا ثقة بخواطره ، لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان . وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع ، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات . والإلهام في الاصطلاح : إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية ، يختص اللّه به من يشاء من خلقه . أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه اللّه في قلوبهم فليس كالإلهام غيرهم ، لأنهم معصومون بخلاف غيرهم . قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال : وينبذ الإلهام بالعراء * أعنى به إلهام الأولياء وقد رآه بعض من تصوفا * وعصمة النبي توجب اقتفا وبالجملة ، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها

--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .