الشنقيطي
111
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
باللسان والقلب ، وغير ذلك من الأعمال التي لا تزاول باليد كالزنى . وقد بينا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) وجه الجمع بين قوله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ الآية ، وقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ الأنعام : 21 ] ونحو ذلك من الآيات . وأشهر أوجه الجمع في ذلك وجهان : أحدهما - أن كل من قال اللّه فيه : ومن أظلم ممن فعل كذا ، لا أحد أظلم من واحد منهم . وإذا فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضا ، فلا إشكال في كون كل واحد منهم . وإذا فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضا ، فلا إشكال في كون كل واحد منهم لا أحد أظلم منه . والثاني - أن صلة الموصول تعين كل واحد في محله ؛ وعليه فالمعنى في قوله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها . لا أحد أظلم ممن ذكر فأعرض أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها . وفي قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ الأنعام : 21 ] ، لا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على اللّه كذبا ، وهكذا . والأول أولى ؛ لأنه جار على ظاهر القرآن ولا إشكال فيه . وممن اختاره أبو حيان في البحر . قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ 57 ] آية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه جعل على قلوب الظالمين المعرضين عن آيات اللّه إذا ذكروا بها - أكنة أي أغطية تغطي قلوبهم فتمنعها من إدراك ما ينفعهم مما ذكروا به . وواحد الأكنة كنان ، وهو الغطاء . وأنه جعل في آذانهم وقرأ ، أي ثقلا يمنعها من سماع ما ينفعهم من الآيات الذي ذكروا بها . وهذا المعنى أوضحه اللّه تعالى في آيات أخر ؛ كقوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] ، وقوله : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [ الجاثية : 23 ] الآية ، وقوله تعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ( 46 ) [ الإسراء : 45 - 46 ] ، وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ [ محمد : 23 ] ، وقوله : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ( 20 ) [ هود : 20 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . فإن قيل : إذا كانوا لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ولا يفقهون ، لأن اللّه جعل الأكنة المانعة من الفهم على قلوبهم . والوقر الذي هو الثقل المانع من السمع في آذانهم فهم مجبورون . فما وجه تعذيبهم على شيء لا يستطيعون العدول عنه والانصراف إلى غيره ؟ ! فالجواب - أن اللّه جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم : أن تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، كالختم والطبع والغشاوة والأكنة ، ونحو ذلك - إنما جعلها عليهم جزاء وفاقا لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ، فأزاغ اللّه قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك ، جزاء على كفرهم ، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله