الشنقيطي

112

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تعالى : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 155 ] أي بسبب كفرهم ، وهو نص قرآني صريح في أن كفرهم السابق هو سبب الطبع على قلوبهم . وقوله : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ النحل : 5 ] وهو دليل أيضا واضح على أن سبب إزاغة اللّه قلوبهم هو زيغهم السابق . وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [ المنافقون : 3 ] ، وقوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [ البقرة : 10 ] الآية ، وقوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) [ الأنعام : 110 ] ، وقوله تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطففين : 14 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ومنعها من فهم ما ينفع عقاب من اللّه على الكفر السابق على ذلك . وهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم . وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب أيضا عن سؤال يظهر لطالب العلم فيما قررنا : وهو أن يقول : قد بينتم في الكلام على الآية التي قبل هذه أن جعل الأكنة على القلوب من نتائج الإعراض عن آيات اللّه عند التذكير بها ، مع أن ظاهر الآية يدل عكس ذلك من أن الإعراض المذكور سببه هو جعل الأكنة على القلوب ، لأن « إن » من حروف التعليل كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه ، كقولك : اقطعه إنه سارق ، وعاقبه إنه ظالم ، فالمعنى : اقطعه لعله سرقته ، وعاقبه لعله ظلمه . وكذلك قوله تعالى : فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [ 57 ] أي أعرض عنها لعلة جعل الأكنة على قلوبهم ؛ لأن الآيات الماضية دلت على أن الطبع الذي يعبر عنه تارة بالطبع ، وتارة بالختم ، وتارة بالأكنة ، ونحو ذلك - سببه الأول الإعراض عن آيات اللّه والكفر بها كما تقدم إيضاحه . وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان : الأول - أن يقال : ما مفسر الضمير في قوله : أَنْ يَفْقَهُوهُ وقد قدمنا أنه الآيات في قوله ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ بتضمين الآيات معنى القرآن . فقوله أَنْ يَفْقَهُوهُ أي القرآن المعبر عنه بالآيات كما تقدم إيضاحه قريبا . السؤال الثاني - أن يقال : ما وجه إفراد الضمير في قوله ذُكِّرَ وقوله : فَأَعْرَضَ عَنْها وقوله وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ مع الاتيان بصيغة الجمع في الضمير في قوله : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً مع أن مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد ، وهو الاسم الموصول في قوله : مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ لآية . والجواب - هو أن الإفراد باعتبار لفظ « من » والجمع باعتبار معناها ، وهو كثير في القرآن العظيم . والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة ، ومراعاة المعنى تارة أخرى مطلقا ؛ خلافا لمن زعم أن مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى لا تصح ؛ والدليل على صحة قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ