الشنقيطي
110
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أي كلا ذلك المذكور من خير وشر . وقد قدمنا إيضاح هذا . وقوله وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أي من المعاصي والكفر ، مع أن اللّه لم ينسه بل هو محصيه عليه ومجازيه ، كما قال تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 6 ) [ المجادلة : 6 ] ، وقال تعالى : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) [ مريم : 64 ] ، وقال تعالى : قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) [ طه : 52 ] . وقال بعض العلماء في قوله وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أي تركه عمدا ولم يتب منه . وبه صدر القرطبي رحمه اللّه تعالى . وما ذكره في هذه الآية الكريمة من إن الإعراض عن التذكرة بآيات اللّه من أعظم الظلم ، قد زاد عليه في مواضع أخر بيان أشياء من النتائج السيئة ، والعواقب الوخيمة الناشئة من الإعراض عن التذكرة . فمن نتائجه السيئة : ما ذكره هنا من أن صاحبه من أعظم الناس ظلما . ومن نتائجه السيئة جعل الأكنة على القلوب حتى لا تفقه الحق ، وعدم الاهتداء أبدا كما قال هنا مبينا بعض ما ينشأ عنه من العواقب السيئة : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 ) [ الكهف : 57 ] ومنها انتقام اللّه جل وعلا من المعرض عن التذكرة ، كما قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 ) [ السجدة : 22 ] . ومنها كون المعرض كالحمار ، كما قال تعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) [ المدثر : 49 - 50 ] الآية . ومنها الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ، كما قال تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) [ فصلت : 13 ] الآية . ومنها المعيشة الضنك والعمى ، كما قال تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) [ طه : 124 ] . ومنها سلكه العذاب الصعد ، كما قال تعالى : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً ( 17 ) [ الجن : 17 ] ومنها تقبيض القرناء من الشياطين ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) [ الزخرف : 36 ] إلى غير ذلك من النتائج السيئة ، والعواقب الوخيمة ، الناشئة عن الإعراض عن التذكير بآيات اللّه جل وعلا . وقد أمر تعالى في موضع آخر بالإعراض عن المتولي عن ذكره ، القاصر نظره على الحياة الدنيا . وبين أن ذلك هو مبلغه من العلم ، فلا علم عنده بما ينفعه في معاده ، وذلك في قوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ( 29 ) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [ النجم : 29 - 30 ] . وقد نهى جل وعلا عن طاعة مثل ذلك المتولي عن الذكر الغافلي عنه في قوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) [ الكهف : 28 ] كما تقدم إيضاحه . وقوله في هذه الآية : ما قَدَّمَتْ يَداهُ أي ما قدم من أعمال الكفر . ونسبة التقديم إلى خصوص اليد لأن اليد أكثر مزاولة للأعمال من غيرها من الأعضاء ، فنسبت الأعمال إليها على عادة العرب في كلامهم ، وإن كانت الأعمال التي قدمها منها ما ليس باليد كالكفر