الشنقيطي
107
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كما قدمنا مرارا . وعلى أنه جمع قبيل : فهو اسم جامد مؤول بمشتق ، لأنه في تأويل : أو يأتيهم العذاب في حال كونه أنواعا وضروبا مختلفة . والمصدر المنسبك من « أن » وصلتها في قوله أَنْ يُؤْمِنُوا في محل نصب ؛ لأنه مفعول « منع » الثاني ، والمنسبك من « أن » وصلتها في قوله إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ في محل رفع ، لأنه فاعل « منع » لأن الاستثناء مفرغ ، وما قبل « إلا » عامل فيما بعدها ، فصار التقدير : منع الناس الإيمان إتيان سنة الأولين ، على حد قوله في الخلاصة : وإن يفرغ سابق إلا لما * بعد يكن كما لو إلا عدما والاستغفار في قوله وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ هو طلب المغفرة منه جل وعلا لجميع الذنوب السالفة بالإنابة إليه ، والندم على ما فات ، والعزم المصمم على عدم العود إلى الذنب . قوله تعالى : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [ 56 ] آية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه ما يرسل الرسل إلا مبشرين من أطاعهم بالجنة ، ومنذرين من عصاهم بالنار . وكرر هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) [ الأنعام : 48 ] . وقد أوضحنا معنى البشارة والإنذار في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [ الكهف : 2 ] الآية ، وانتصاب قوله « مبشّرين » على الحال ، أي ما نرسلهم إلا في حال كونهم مبشرين ومنذرين . قوله تعالى : وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [ 56 ] آية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الذين كفروا يجادلون بالباطل ، أي يخاصمون الرسل بالباطل ، كقولهم في الرسول : ساحر ، شاعر ، كاهن . وكقولهم في القرآن : أساطير الأولين ، سحر ، شعر ، كهانة . وكسؤالهم من أصحاب الكهف ، وذي القرنين . وسؤالهم عن الروح عنادا وتعنتا ، ليبطلوا الحق بجدالهم وخصامهم بالباطل ، فالجدال : المخاصمة . ومفعول « يجادل » محذوف دل ما قبله عليه ، لأن قوله وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ [ الكهف : 56 ] يدل على أن الذين يجادلهم الكفار بالباطل هم المرسلون المذكورون آنفا ، وحذف الفضلة إذا دل المقام عليها جائز ، وواقع كثيرا في القرآن وفي كلام العرب : كما عقده في الخلاصة بقوله : وحذف فضلة أجز إن لم يضر * كحذف ما سيق جوابا أو حصر والباطل : ضد الحق وكل شيء ذائل مضمحل تسميه العرب : باطلا ، ومنه قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل * وكل نعيم لا محالة زائل