الشنقيطي
108
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ويجمع الباطل كثيرا على أباطيل على غير القياس ، فيدخل في قول ابن مالك في الخلاصة : وحائد عن القياس كل ما * خالف في البابين حكما رسما ومنه قول كعب بن زهير : كانت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيده إلا الأباطيل ويجمع أيضا على البواطل قياسا . والحق : ضد الباطل . وكل شيء ثابت غير زائل ولا مضمحل نسميه العرب حقا . وقوله تعالى : لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [ 57 ] أي ليبطلوه ويزيلوه به وأصله من إدحاض القدم ، وهو إزلاقها وإزالتها عن موضعها . تقول العرب ، دحضت رجله : إذا زلقت ، وأدحضها اللّه ، أزلقها ودحضت حجته إذا بطلت ، وأدحضها اللّه أبطلها ، والمكان الدحض : هو الذي تزل فيه الأقدام ؟ ومنه قول طرفة : أبا منذر رمت الوفاء فهبته * وحدت كما حاد البعير عن الدحض وهذا الذي ذكره هنا من مجادلة الكفار للمرسل بالباطل أوضحه في مواضع أخر : كقوله : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ الشورى : 16 ] الآية . وقوله جل وعلا : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) [ التوبة : 32 ] ، وقوله تعالى : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 8 ) [ الصف : 8 ] وإرادتهم إطفاء نور اللّه بأفواههم ، إنما هي بخصامهم وجدالهم بالباطل . وقد بين تعالى في مواضع آخر . أن ما أراده الكفار من إدحاض الحق بالباطل لا يكون ، وأنهم لا يصلون إلى ما أرادوا ، بل الذي سيكون هو عكس ما أرادوه - فيحق ويبطل الباطل ، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) [ التوبة : 33 ] ؛ وكقوله : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) ، وقوله : وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 8 ) ، وقوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( 18 ) [ الأنبياء : 18 ] ، وقوله تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) [ الإسراء : 81 ] ، وقوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( 17 ) [ الرعد : 17 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحق سيظهر ويعلو ، وأن الباطل سيضمحل ويزهق ويذهب جفاء . وذلك هو نقيض ما كان يريده الكفار من إبطال الحق وإدحاضه بالباطل عن طريق الخصام والجدال .