الشنقيطي

106

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

النصيب : فمعنى عَجِّلْ لَنا قِطَّنا أي نصيبا المقدر لنا من العذاب الذي تزعم وقوعه بنا إن لم نصدقك ونؤمن بك ، كالنصيب الذي بقدره الملك في القط الذي هو كتاب الجائزة ، ومنه قول الأعشى : ولا الملك النعمان يوم لقيته * بغبطته يعطي القطوط ويأفق وقوله « يأفق » أي يفضل بعضا على بعض في العطاء . والآيات بمثل ذلك كثيرة . والقول الأول أظهر عندي ، لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير إلا بحجة الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر . واللّه تعالى أعلم . وقد ذكرنا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) وجه الجمع بين قوله تعالى هنا : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ [ 55 ] الآية - وبين قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) [ الإسراء : 94 ] بما حاصله باختصار : أن المانع المذكور في سورة « الإسراء » مانع عادي يجوز تخلفه ، لأن استغرابهم بعث رسول من البشر مانع عادي يجوز تخلفه لإمكان أن يستغرب الكافر بعث رسول من البشر ثم يؤمن به مع ذلك الاستغراب ؛ فالحضر في قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) حضر في المانع العادي . وأما الحصر في قوله هنا وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ( 55 ) فهو حصر في المانع الحقيقي ، لأن إرادته جل وعلا عدم إيمانهم ، وحكمه عليهم بذلك ، وقضاءه به مانع حقيقي من وقوع غيره . وقوله في هذه الآية الكريمة : أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ( 55 ) قرأه الكوفيون : وهم عاصم وحمزة والكسائي « قبلا » بضم القاف والباء . وقرأه الأربعة الباقون من السبعة : وهم نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر « قبلا » بكسر القاف وفتح الباء . أما على قراءة الكوفيين فقوله « قبلا » بضمتين جمع قبيل . والفعيل إذا كان اسما يجمع على فعل كسرير وسرر ، وطريق وطرق ، وحصير وحصر ، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله : وفعل لاسم رباعي بمد * قد زيد قبل الام اعلالا فقد ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف . . . إلخ . وعلى هذا ، فمعنى الآية أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ( 55 ) أي أنواعا مختلفة ، يتلو بعضها بعضا . وعلى قراءة من قرأوا « قبلا » كعنب ، فمعناه عيانا ، أي أو يأتيهم العذاب عيانا . وقال مجاهد رحمه اللّه « قبلا » أي فجأة . والتحقيق : أن معناها عيانا . وأصله من المقابلة ، لأن المتقابلين يعاين كل واحد منهما الآخر . وذكر أبو عبيد : أن معنى القراءتين واحد ، وأن معناهما عيانا ، وأصله من المقابلة . وانتصاب « قبلا » على الحال على كلتا القراءتين . وهو على القولين المذكورين في معنى « قبلا » إن قدرنا أنه بمعنى عيانا ، فهو مصدر منكر حال