الشنقيطي

103

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

معنى الأمثال ، وانتفعوا بما تضمنت من بيان الحق . وأن الذين لم يستجسوا له هم الذين لم يعقلوها ، ولم يعرفوا ما أوضحته من الحقائق . فالفريق الأول - هم الذين قال اللّه فيهم وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، والفريق الثاني - هم الذين قال فيهم يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وقال فيهم وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَلَقَدْ صَرَّفْنا قال بعض العلماء : مفعول « صرّفنا » محذوف ، تقديره : البينات والعبر . وعلى هذا ف « من » للناس في هذا القرآن ليذكروا ، فقابلوا ذلك بالجدال والخصام ؛ ولذا قال : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ( 54 ) وهذا هو الذي استظهره أبو حيان في البحر ، ثم قال : وقال ابن عطية يجوز أن تكون « من » زائدة التوكيد ؛ فالتقدير : ولقد صرفنا كل مثل ؛ فيكون مفعول « صرّفنا » : « كل مثل » وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش ، لا على مذهب جمهور البصريين . انتهى الغرض من كلام صاحب البحر المحيط . وقال الزمخشري : « من كلّ مثل » من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه ا ه . وضابط ضرب المثل الذي يرجع إليه كل معانيه التي يفسر بها : هو إيضاح معنى النظير بذكر نظيره ؛ لأن النظير يعرف بنظيره . وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الآية الكريمة جاء مذكورا في آيات أخر ؛ كقوله في « الإسراء » : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ( 89 ) [ الإسراء : 89 ] ، وقوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ( 41 ) [ الإسراء : 41 ] ، وقوله : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ( 113 ) [ طه : 113 ] ، وقوله : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 27 ) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 28 ) [ الزمر : 27 - 28 ] ، وقوله : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ( 58 ) [ الروم : 58 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . وقوله في هذه الآية : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ( 54 ) أي أكثر الأشياء التي من شأنها الخصومة إن فصلتها واحدا بعد واحد . « جدلا » أي خصومة ومماراة بالباطل ليدحضوا به الحق هو السباق الذي نزلت فيه الآية الكريمة ، لأن قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي ليذكروا ويتعظوا وينيبوا إلى ربهم : بدليل قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا ، وقوله : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) [ الحشر : 21 ] فلما أتبع ذلك بقوله : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ( 54 ) - علمنا من سياق الآية أن الكفار أكثروا الجدل والخصوصة والمراء لإدحاض الحق الذي أوضحه اللّه بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل . ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الآية الكريمة بظاهر عمومها ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما بيناه بأدلته فيما مضى . ولأجل هذا لما طرق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليا وفاطمة رضي اللّه عنهما ليلة فقال : « ألا تصليان » ؟ وقال