الشنقيطي

104

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

علي رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إنما أنفسنا بيد اللّه ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا . انصرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم راجعا وهو يضرب فخذه ويقول : « وكان الإنسان أكثر شيء جدلا » « 1 » والحديث مشهور متفق عليه . فإيراده صلّى اللّه عليه وسلّم الآية على قول علي رضي اللّه عنه « إنما أنفسنا بيد اللّه ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا » - دليل على عموم الآية الكريمة ، وشمولها لكل خصام وجدل ، لكنه قد دلت آيات أخر على أن من الجدل ما هو محمود مأمور به لإظهار الحق ، كقوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] ، وقوله تعالى : * وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ العنكبوت : 46 ] . وقوله « جدلا » منصوب على التمييز ، على حد قوله في الخلاصة : والفاعل المعنى انصبن بأفعلا * مفضلا كانت أعلى منزلا وقوله فِي هذَا الْقُرْآنِ أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل جدلا كما تقدم . وصيغة التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة كما في هذه الآية ، أو جردت من الإضافة والتعريف بالألف واللام - لزم إفرادها وتذكيرها كما عقده في الخلاصة بقوله : وإن لمنكور يضف أو جردا * ألزم تذكيرا وأن يوحدا وقال ابن جرير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية الكريمة مبينا بعض الآيات المبينة للمراد بجدل الإنسان في الآية الكريمة ، بعد أن ساق سنده إلى ابن زيد في قوله وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ( 54 ) قال : الجدل الخصومة - خصومة القوم لأنبيائهم وردهم عليهم ما جاؤوا به . وقرأ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) [ المؤمنون : 33 ] ، وقرأ : يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [ المؤمنون : 24 ] ، وقرأ « حتى توفي » الآية ، وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) [ الأنعام : 7 ] ، وقرأ : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ( 15 ) [ الحجر : 14 - 15 ] انتهى من تفسير الطبري . ولا شك أن هذه الآيات التي ذكر عن ابن زيد أنها مفسرة لجدل الإنسان المذكور في الآية أنها كذلك ، كما قدمنا أن ذلك هو ظاهر السياق وسبب النزول ، والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة في القرآن العظيم . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ( 55 ) [ 55 ] آية . في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم ، وكلاهما تدل على

--> ( 1 ) أخرجه عن علي بن أبي طالب : البخاري في التهجد بالليل حديث 1127 ، ومسلم في صلاة المسافرين حديث 206 .