الشنقيطي

98

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الوجه الثالث : هو ما قدمنا من الآيات القرآنية المصرحة بحفظ السماء وحراستها من كل شيطان رجيم كائنا من كان ، فبهذا يتضح أن الآية الكريمة ليس فيها دليل على صعود أصحاب الأقمار الصناعية فوق السبع الطباق . والواقع المستقبل سيكشف حقيقة تلك الأكاذيب والمزاعم الباطلة ، وكذلك ما يزعمه بعض من ليس له علم بمعنى كتاب اللّه جل وعلا من أن اللّه تعالى أشار إلى بلوغ أهل الأرض إلى السماوات بقوله : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13 ] الآية فقالوا تسخيره جل وعلا ما في السماوات لأهل الأرض دليل على أنهم سيبلغون السماوات والآية الكريمة لا تدل على ذلك الذي زعموا أنها تدل عليه لأن القرآن بين في آيات كثيرة كيفية تسخير ما في السماء لأهل الأرض فبين أن تسخير الشمس والقمر لمنافعهم وانتشار الضوء عليهم ولكي يعلموا عدد السنين والحساب كما قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ( 33 ) [ إبراهيم : 33 ] الآية ومنافع الشمس والقمر اللذين سخرهما اللّه لأهل الأرض لا يحصيها إلا اللّه كما هو معروف وقال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ يونس : 5 ] ، وقال تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ الإسراء : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات المبينة لذلك التسخير لأهل الأرض ؛ وكذلك سخر لأهل الأرض النجوم ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر كما قال تعالى : وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ [ الأعراف : 54 ] الآية وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الأنعام : 97 ] الآية وقال : وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) [ النحل : 16 ] إلى غير ذلك من الآيات . فهذا هو تسخير ما في السماء لأهل الأرض وخير ما يفسر به القرآن . ومما ويوضح ما ذكرنا أن المخاطبين الأولين بقوله وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الجاثية : 13 ] الآية وهم الصحابة رضي اللّه عنهم لم يسخر لهم شيء مما في السماوات إلا هذا التسخير الذي ذكرنا الذي بينه القرآن العظيم في آيات كثيرة . فلو كان يراد به التسخير المزعوم عن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية لدخل فيه المخاطبون الأولون كما هو ظاهر ، وكذلك قوله وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) [ الأنبياء : 105 ] ، فإن معنى مرورهم على ما في السماوات من الآيات نظرهم إليها كما بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما [ الأعراف : 185 ] الآية وقوله : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] الآية وقوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] إلى غير ذلك من الآيات . واعلم وفقني اللّه وإياك أن التلاعب بكتاب اللّه جل وعلا وتفسيره بغير معناه لمحاولة توفيقه مع آراء كفرة الإفرنج ليس فيه شيء البتة من مصلحة الدنيا ولا الآخرة وإنما فيه فساد