الشنقيطي
95
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الأرض دواب . ولا شك أن اللّه قادر على جمع أهل السماوات وأهل الأرض وعلى كل شيء ، ولكن الآيات القرآنية التي ذكرنا بينت أن المراد بجمعهم حشرهم جميعا يوم القيامة ، وقد أطبق على ذلك المفسرون ولو سلمنا تسليما جدليا أنها تدل على جمعهم في الدنيا فلا يلزم من ذلك بلوغ أهل الأرض إلى أهل السماء بل يجوز عقلا أن ينحدر من في السماء إلى من في الأرض لأن الهبوط أهون من الصعود وما يزعمه من لا علم عنده بكتاب اللّه تعالى من أن قوله جل وعلا : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ( 33 ) [ الرحمن : 33 ] يشير إلى الوصول إلى السماء بدعو أن المراد بالسلطان في الآية هو هذا العلم الحادث الذي من نتائجه الصواريخ والأقمار الصناعية . وإذا فإن الآية قد تكون فيها الدلالة على أنهم ينفذون بذلك العلم من أقطار السماوات والأرض مردود من أوجه : الأول : أن معنى الآية الكريمة هو إعلام اللّه جل وعلا خلقه أنهم لا محيص لهم ولا مفر عن قضائه ونفوذ مشيئته فيهم وذلك عندما تحف بهم صفوف الملائكة يوم القيامة . فكلما فروا إلى جهة وجدوا صفوف الملائكة أمامهم ، ويقال لهم في ذلك الوقت يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الآية والسلطان : قيل الحجة والبينة ، وقيل الملك والسلطنة وكل ذلك معدوم عندهم يوم القيامة فلا نفوذ لهم كما قال تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) [ الفجر : 22 ] وقال : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ ( 32 ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ [ غافر : 32 - 33 ] . الوجه الثاني : أن الجن أعطاهم اللّه القدرة على الطيران والنفوذ في أقطار السماوات والأرض وكانوا يسترقون السمع من السماء كما صرح به تعالى في قوله عنهم وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ الآية وإنما منعوا من ذلك حين بعث صلى اللّه عليه وسلم كما قال تعالى : فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ( 9 ) [ الجن : 9 ] فالجن كانوا قادرين على بلوغ السماء من غير حاجة إلى صاروخ ولا قمر صناعي فلو كان معنى الآية هو ما يزعمه أولئك الذين لا علم لهم بكتاب اللّه لم يقل جل وعلا يا معشر الجن لأنهم كانوا ينفذون إلى السماء قبل حدوث السلطان المزعوم . الوجه الثالث : أن العلم المذكور الذي لا يجاوز صناعة يدوية أهون على اللّه جل وعلا من أن يطلق عليه اسم السلطان ؛ لأنه لا يجاوز أغراض هذه الحياة الدنيا ولا نظر فيه البتة لما بعد الموت ؛ ولأن الدنيا كلها لا تزن عند اللّه جناح بعوضة . وقد نص تعالى على كمال حقارتها عنده في قوله جل وعلا : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [ الزخرف : 33 ] إلى قوله لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) [ الزخرف : 35 ] وعلم هؤلاء الكفار نفي اللّه عنه اسم العلم الحقيقي وأثبت له أنه علم ظاهر من الحياة الدنيا وذلك