الشنقيطي
96
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
في قوله : وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) [ الروم : 6 - 7 ] فحذف الكفار في الصناعات اليدوية كحذف بعض الحيوانات في صناعتها بإلهام اللّه لها ذلك ، فالنحل تبني بيت عسلها على صورة شكل مسدس يحار فيه حذاق المهندسين . ولما أرادوا أن يتعلموا منها كيفية ذلك البناء وجعلوها في أجباح زجاج لينظروا إلى كيفية بنائها أبت أن تعلمهم فطلت الزجاج بالعسل قبل البناء كيلا يروا كيفية بنائها ، كما أخبرتنا الثقة بذلك . الوجه الرابع : أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن ذلك المعنى المزعوم كذبا هو معنى الآية فإن اللّه أتبع ذلك بقوله يرسل عليكما شواظ من نار الآية فهو يدل على ذلك التقدير على أنهم لو أرادوا النفوذ في أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس والشواظ اللهب الخالص والنحاس الدخان ومنه قول النابغة : يضيء كضوء سراج السليط * لم يجعل اللّه فيه نحاسا وكذلك ما يزعمه بعض من لا علم له بمعنى كتاب اللّه من أن اللّه أشار إلى اتصال أهل السماوات وأهل الأرض بقوله تعالى : قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الأنبياء : 4 ] الآية بصيغة الأمر في لفظة قل على قراءة الجمهور وبصيغة الماضي قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الآية في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فإن الآية الكريمة لا تدل على ذلك لا بدلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام لأن غاية ما تفيده الآية الكريمة أن اللّه جل وعلا أمر نبيه أن يقول إن ربه يعلم كل ما يقوله أهل السماء وأهل الأرض على قراءة الجمهور وعلى قراءة الأخوين وحفص فمعنى الآية أنه صلى اللّه عليه وسلم أخبر قائلا إن ربه جل وعلا يعلم كل ما يقال في السماء والأرض وهذا واضح لا إشكال فيه ولا شك أنه جل وعلا عالم بكل أسرار أهل السماء والأرض وعلانياتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . وكذلك ما يزعمه من لا علم عنده بمعنى كتاب اللّه جل وعلا من أنه تعالى أشار إلى أهل الأرض سيصعدون إلى السماوات واحدة بعد أخر بقوله : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ( 19 ) [ الانشقاق : 19 ] زاعما أن معنى الآية الكريمة لتركبن أيها الناس طبقا أي سماء عن طبق أي بعد سماء حتى تصعدوا فوق السماوات فهو أيضا جهل بكتاب اللّه وحمل له على غير ما يراد به . اعلم أولا أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين مشهورتين إحداهما لتركبن بفتح الباء وبها قرأ من السبعة ابن كثير وحمزة والكسائي وعلى هذه القراءة ففي فاعل لتركبن ثلاثة أوجه معروفة عند العلماء الأول وهو أشهرها أن الفاعل ضمير الخطاب الواقع على النبي صلى اللّه عليه وسلم أي لتركبن أنت يا نبيّ اللّه طبقا عن طبق أي بعد طبق أي حالا بعد حال أي فترتقي في