الشنقيطي

51

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 281 ) [ البقرة : 182 ] فولى يوسف - عليه السلام - هاربا . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال : آيات ربه ، أري تمثال الملك « 1 » . وأخرج أبو الشيخ ، وأبو نعيم في الحلية ، عن جعفر بن محمد رضي اللّه عنه ، قال : لما دخل يوسف معها البيت - وفي البيت صنم من ذهب - قالت : كما أنت ، حتى أغطى الصنم ؛ فإني أستحي منه . فقال يوسف : هذه تستحي من الصنم ! أنا أحق أن أستحيي من اللّه ؟ فكف عنها وتركها . اه من الدر المنثور في التفسير بالمأثور . قال مقيده - عفا اللّه عنه : - هذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين : قسم لم يثبت نقله عمن نقله عنه بسند صحيح ، وهذا لا إشكال في سقوطه . وقسم ثبت عن بعض من ذكر ، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك ، فالظاهر الغالب على الظن ، المزاحم للقين : أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات ؛ لأنه لا مجال للرأي فيه ، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه صلى اللّه عليه وسلم . وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي اللّه يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية ، يريد أن يزني بها ؛ اعتمادا على مثل هذه الروايات . مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب ؛ كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات ، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها ، لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق . فما ظنك بخيار الأنبياء ! مع أنا قدمنا دلالة القرآن على براءته من جهات متعددة ، وأوضحنا أن الحقيقة لا تتعد أحد أمرين : إما أن يكون لم يقع منه هم بها أصلا ، بناء على تعليق همه على عدم رؤية البرهان ، وقد رأ البرهان . وإما أن يكون همه الميل الطبيعي المزموم بالتقو ، والعلم عند اللّه تعالى . واختلف العلماء في المراد بالسوء والفحشاء ، اللذين ذكر اللّه في هذه الآية أنه صرفهما عن نبيه يوسف . فرو ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر رضي اللّه عنه ، في قوله : لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ قال : الزنى . والثناء القبيح اه .

--> ( 1 ) جامع البيان 12 / 113 .