الشنقيطي

52

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال بعض العلماء : السوء مقدمات الفاحشة ، كالقبلة ، والفاحشة الزنى . وقيل : السوء جناية اليد ، والفاحشة الزنى . وأظهر الأقوال في تقدير متعلق الكاف في قوله : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ ، أي فعلنا له ذلك من إراءة البرهان ، كذلك الفعل لِنَصْرِفَ واللام لام كي . وقوله : الْمُخْلَصِينَ ( 24 ) [ يوسف : 24 ] قرأه نافع ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، بفتح اللام بصيغة اسم المفعول . وقرأه ابن عامر ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل - والعلم عند اللّه تعالى اه . قوله تعالى : وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) [ 26 - 28 ] . يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين ، وكذب الآخر ؛ لأن ذكر اللّه لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب ؛ لأن كون القميص مشقوقا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها ، وهي تنوشه من خلفه ، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقو منها ، فإن عارضتها قرينة أقو منها أبطلتها ، وذلك في قوله تعالى : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [ يوسف : 18 ] ؛ لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب ، جعلوا على قميصه دم سخلة ؛ ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب . ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له ، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقو منها ، وهي عدم شق القميص ، فقال : سبحان اللّه ! متى كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف ولا يشق قميصه . ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) [ يوسف : 18 ] . وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن . ومن أمثلة الحكم بالقرينة : الرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها سابقا ؛ فتزفها إليه ولائد لا يثبت بشهادتهن أن هذه هي فلانة التي وقع عليها العقد ؛ فيجوز له جماعها من غير احتياج إلى بينة تشهد على عينها أنها هي التي وقع العقد عليها ؛ اعتمادا على قرينة النكاح . وكالرجل ينزل ضيفا عند قوم ، فتأتيه الوليدة أو الغلام بالطعام ؛ فيجوز له الأكل من غير احتياج إلى ما يثبت إذن مالك الطعام له في الأكل ، اعتمادا على القرينة .