الشنقيطي

457

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( 3 ) [ الفتح : 1 - 3 ] وقوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 ) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ( 4 ) [ الشرح : 1 - 4 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وبين تعالى في موضع آخر : أن فضله كبير على جميع المؤمنين ، وهو قوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً ( 47 ) [ الأحزاب : 47 ] وبين المراد بالفضل الكبير في قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 22 ) [ الشور : 22 ] . قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ( 93 ) [ 90 - 93 ] . بين اللّه جل وعلا في هذه الآيات الكريمة شدة عناد الكفار وتعنتهم ، وكثرة اقتراحاتهم لأجل التعنت لا لطلب الحق . فذكر أنهم قالوا له صلى اللّه عليه وسلم : إنهم لن يؤمنوا له - أي لن يصدقوه - حتى يفجر لهم من الأرض ينبوعا . وهو يفعول من نبع : أي ماء غزير ؛ ومنه قوله تعالى : فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [ الزمر : 21 ] أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ أي بستان من نخيل وعنب ؛ فيفجر خلالها ، أي وسطها أنهارا من الماء ، أو يسقط السماء عليهم كسفا : أي قطعا كما زعم ؛ أي في قوله تعالى : إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [ سبأ : 9 ] الآية . أو يأتيهم باللّه والملائكة قبيلا : أي معاينة . قاله قتادة وابن جريج ، كقوله : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا [ الفرقان : 21 ] . وقال بعض العلماء : قبيلا : أي كفيلا ؛ من تقبله بكذا : إذا كفله به . والقبيل والكفيل والزعيم بمعنى واحد . وقال الزمخشري قبيلا بما تقول ، شاهدا بصحته . وكون القبيل في هذه الآية بمعنى الكفيل مروي عن ابن عباس والضحاك . وقال مقاتل : « قبيلا » شهيدا . وقال مجاهد : هو جمع قبيلة ؛ أي تأتي بأصناف الملائكة . وعلى هذا القول فهو حال من الملائكة ، أو يكون له بيت من زخرف : أي من ذهب : ومنه قوله « في الزخرف » : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ إلى قوله وَزُخْرُفاً [ الزخرف : 35 ] أي ذهبا . أو يرقى في السماء : أي يصعد فيه ، وإنهم لن يؤمنوا لرقيه : أي من أجل صعوده ، حتى ينزل عليهم كتابا يقرؤونه . وهذا التعنت والعناد العظيم الذي ذكره جل وعلا عن الكفار هنا بينه في مواضع أخر . وبين أنهم لو فعل اللّه ما اقترحوا ما آمنوا ؛ لأن من سبق عليه الشقاء لا يؤمن ؛ كقوله تعالى : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا