الشنقيطي
451
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ويدل عليه قوله بعده وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 72 ) فإنها صيغة تفضيل بلا نزاع . والمقرر في علم العربية : أن صيغتي التعجب وصيغة التفضيل لا يأتيان من فعل الوصف منه على أفعل الذي أنثاه فعلاء ؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله : * وغير ذي وصف يضاهي أشهلا * والظاهر أن ما وجد في كلام العرب مصوغا من صيغة تفضيل أو تعجب غير مستوف للشروط - أنه يحفظ ولا يقاس عليه ؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله : وبالندور احكم لغير ما ذكر * ولا تقس على الذي منه أثر ومن أمثلة ذلك قوله : ما في المعالي لكم ظل ولا ثمر * وفي المخازي لكم أشباح أشياخ أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم * لؤما وأبيضهم سربال طباخ وقال بعض العلماء : إن قوله في هذا البيت « وأبيضهم سربال طباخ » ليس صيغة تفضيل ؛ بل المعنى أنت وحدك الأبيض سربال طباخ من بينهم . قوله تعالى : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ( 73 ) [ 73 ] . روي عن سعيد بن جبير أنها نزلت في المشركين من قريش ، قالوا له صلى اللّه عليه وسلم : لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تلم بآلهتنا « 1 » وعن ابن عباس في رواية عطاء : أنها نزلت في وفد ثقيف ، أتوا النبي فسألوه شططا قالوا : متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهد لها ، وحرم وادينا كما حرمت مكة « 2 » ، إلى غير ذلك من الأقوال في سبب نزولها . وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب . ومعنى الآية الكريمة : أن الكفار كادوا يفتنونه أي قاربوا ذلك . ومعنى يفتنونك : يزلونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره مما لم نوحه إليك . قال بعض أهل العلم : قاربوا ذلك في ظنهم لا فيما في نفس الأمر . وقيل : معنى ذلك أنه خطر في قلبه صلى اللّه عليه وسلم أن يوافقهم في بعض ما أحبوا ليجرهم إلى الإسلام لشدة حرصه على إسلامهم . وبين في مواضع آخر : أنهم طلبوا منه الإتيان بغير ما أوحي إليه ، وأنه امتنع أشد الامتناع وقال لهم : إنه لا يمكنه أن يأتي بشيء من تلقاء نفسه ؛ بل يتبع ما أوحي إليه ربه ،
--> ( 1 ) جامع البيان 15 / 88 . ( 2 ) جامع البيان 15 / 88 .