الشنقيطي

452

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وذلك في قوله : قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) . وقوله في هذه الآية وَإِنْ كادُوا هي المخففة من الثقيلة ، وهي هنا مهملة . واللام هي الفارقة بينها وبين إن النافية كما قال في الخلاصة : وخففت إن فقل العمل * وتلزم اللام إذا ما تهمل والغالب أنها لا تكون كذلك مع فعل إلا إن كان ناسخا كما في هذه الآية ، قال في الخلاصة . والفعل إن لم يك ناسخا فلا * تلفيه غالبا بأن ذي موصلا كما هو معروف في النحو . قوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ( 75 ) [ 74 - 75 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة تثبيته لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وعصمته له من الركون إلى الكفار . وأنه لو ركن إليهم لأذاقه ضعف الحياة وضعف الممات ؛ أي مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة ؛ وبهذا جزم القرطبي في تفسيره . وقال بعضهم : المراد بضعف عذاب الممات : العذاب المضاعف في القبر والمراد بضعف الحياة : العذاب المضاعف في الآخرة بعد حياة البعث . وبهذا جزم الزمخشري وغيره . والآية تشمل الجميع ، وهذا الذي ذكره هنا من شدة الجزاء لنبيه لو خالف بينه في غير هذا الموضع ؛ كقوله : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) [ الحاقة : 44 - 46 ] الآية . وهذا الذي دلت عليه هذه الآية من أنه إذا كانت الدرجة أعلى كان الجزاء عند مخالفة أعظم بينه في موضع آخر ؛ كقوله : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ الأحزاب : 30 ] الآية . ولقد أجاد من قال : وكبائر الرجل الصغير صغائر * وصغائر الرجل الكبير كبائر تنبيه هذه الآية الكريمة أوضحت غاية الإيضاح براءة نبينا صلى اللّه عليه وسلم من مقاربة الركون إلى الكفار ، فضلا عن نفس الركون ؛ لأن وَلَوْ لا حرف امتناع لوجود . فمقاربة الركون منعتها وَلَوْ لا الامتناعية لوجود التثبيت من اللّه جل وعلا لأكرم خلقه صلى اللّه عليه وسلم . فصح يقينا انتفاء مقاربة الركون فضلا عن الركون نفسه . وهذه الآية تبين ما قبلها ، وأنه لم يقارب الركون