الشنقيطي
432
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد أوضح جلّ وعلا هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله عن لقمان مقررا له وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ . . . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ [ لقمان : 18 - 19 ] الآية ، وقوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [ الفرقان : 63 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وأصل المرح في اللغة : شدة الفرح والنشاط ، وإطلاقه على مشي الإنسان متبخترا مشي المتكبرين ، لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادة . وأظهر القولين عندي في قوله تعالى : إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أن معناه لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها وشدة وطئك عليها ، ويدل لهذا المعنى قوله بعده وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا ( 37 ) أي أنت أيها المتكبر المختال : ضعيف حقير عاجز محصور بين جمادين ! أنت عاجز عن التأثير فيهما . فالأرض التي تحتك لا تقدر أن تؤثر فيها فتخرقها بشدة وطئك عليها ، والجبال الشامخة فوقك لا يبلغ طولك طولها . فاعرف قدرك ! ولا تتكبر ، ولا تمش في الأرض مرحا . القول الثاني - أن معنى لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ لن تقطعها بمشيك ؛ قاله ابن جرير ، واستشهد له بقول رؤبة بن العجاج : وقاتم الأعماق خاوي المخترق * مشتبه الأعلام لماع الخفق لأن مراده بالمخترق : مكان الاختراق ؛ أي المشي والمرور فيه . وأجود الأعاريب في قوله طُولًا ( 37 ) أنه تمييز محول عن الفاعل ، أي لن يبلغ طولك الجبال . خلافا لمن أعربه حالا ومن أعربه مفعولا من أجله . وقد أجاد من قال : ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا * فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في عز وحرز ومنعة * فكم مات من قوم هم منك أمنع واستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً على منع الرقص وتعاطيه ؛ لأن فاعله ممن يمشي مرحا . قوله تعالى : أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً ( 40 ) [ 40 ] . الهمزة في قوله أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ للانكار ومعنى الآية ؛ أفحصكم ربكم على وجه الخصوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون ، لم يجعل فيهم نصيبا لنفسه ، واتخذ لنفسه أدونهم وهي البنات ! وهذا خلاف المعقول والعادة . فإن السادة لا يؤثرون عبيدهم بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب ، ويتخذون لأنفسهم أردأها وأدونها . فلو كان جل وعلا متخذا ولدا « سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا » لاتخذ أجود النصيبين ولم يتخذ أردأهما !