الشنقيطي
433
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ولم يصطفكم دون نفسه بأفضلهما . وهذا الإنكار متوجه على الكفار في قولهم : الملائكة بنات اللّه . سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . فقد جعلوا له الأولاد ! ومع ذلك جعلوا له أضعفها وأردأها وهو الإناث ! وهم لا يرضونها لأنفسهم . وقد بين اللّه هذا المعنى في آيات كثيرة ؛ كقوله أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) [ النجم : 21 - 22 ] ، وقوله : أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) [ الطور : 39 ] ، وقوله : لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ [ الزمر : 4 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا . وقد بينا ذلك بإيضاح في « سورة النحل » . وقوله في هذه الآية الكريمة إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً ( 40 ) بين فيه أن ادعاء الأولاد للّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - أمر عظيم جدا . وقد بين شدة عظمه بقوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) وَلا يَخافُ عُقْباها ( 15 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) [ مريم : 88 - 95 ] فالمشركون قبحهم اللّه جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، ثم ادعوا أنهم بنات اللّه ، ثم عبدوهم ؛ فاقترفوا الجريمة العظمى في المقامات الثلاث ، والهمزة والفاء في نحو قوله : أَ فَأَصْفاكُمْ قد بينا حكمها بإيضاح في « سورة النحل » أيضا . قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ( 42 ) [ 42 ] . قرأ جمهور القراء « كما تقولون » بتاء الخطاب . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم « كما يقولون » بياء الغيبة . وفي معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير ، كلاهما حق ويشهد له قرآن . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن الآية قد يكون فيها وجهان كلاهما حق ، وكلاهما يشهد له قرآن فنذكر الجميع لأنه كله حق . الأول من الوجهين المذكورين - أن معنى الآية الكريمة : لو كان مع اللّه آلهة أخر كما يزعم الكفار لابتغوا - أي الآلهة المزعومة - أي لطلبوا إلى ذي العرش - أي إلى اللّه سبيلا - أي إلى مغالبته وإزالة ملكه ، لأنهم إذا يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض . سبحان اللّه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ! وهذا القول في معنى الآية هو الظاهر عندي ، وهو المتبادر من معنى الآية الكريمة . ومن الآيات الشاهدة لهذا المعنى قوله تعالى : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 92 ) [ المؤمنون : 91 - 92 ] ، وقوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) [ الأنبياء : 22 ] وهذا المعنى في الآية مروي عن ابن عباس ،