الشنقيطي

431

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قال القرطبي في تفسيره : وهذا المعنى أبلغ في الحجة ؛ فإنه يقع تكذيبه من جوارحه ، وتلك غاية الخزي كما قال : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) [ يس : 65 ] ، وقوله : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 20 ) [ فصلت : 20 ] . قال مقيده عفا اللّه عنه : والقول الأول أظهر عندي ، وهو قول الجمهور . وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر ؛ لأن قوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( 36 ) يفيد تعليل النهي في قوله : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بالسؤال عن الجوارح المذكورة ، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه : أن « إن » المكسورة من حروف التعليل . وإيضاحه : أن المعنى انته عما لا يحل لك لأن اللّه أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشركه ، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه ، فلا تستعمل نعمه في معصيته . ويدل لهذا المعنى قوله تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) [ النحل : 78 ] ، ونحوها من الآيات . والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله : أُولئِكَ راجعة إلى السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ وهو دليل على الإشارة « بأولئك » لغير العقلاء وهو الصحيح . ومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي : يا ما أميلح غزلانا شدن لنا * من هؤلياء كن الضال والسمر وقول جرير : ذم المنازل بعد منزلة اللو * والعيش بعد أولئك الأيام خلافا لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه ، وأن الرواية فيه « بعد أولئك الأقوام » والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا ( 37 ) [ 37 ] . نهى اللّه جل وعلا الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في المشية . وقوله مَرَحاً مصدر منكر ، وهو حال على حد قول ابن مالك في الخلاصة : ومصدر منكر حالا يقع * بكثرة كبغتة زيد طلع وقرء « مرحا » بكسر الراء على أنه الوصف من مرح ( بالكسر ) يمرح ( بالفتح ) أي لا تمش في الأرض في حال كونك متبخترا متمايلا مشي الجبارين .