الشنقيطي
430
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أبي وقاص ولم يؤثر عنده هذا الشبه في النسب لكون أم الولد فراشا لزمعة ؛ فقال صلى اللّه عليه وسلم « الولد للفراش وللعاهر الحجر » « 1 » ولكنه صلى اللّه عليه وسلم اعتبر هذا الشبه من جهة أخر غير النسب ؛ فقال لسودة بنت زمعة رضي اللّه عنها « احتجبي عنه » مع أنه ألحقه بأبيها فلم ير سودة قط . وهذه المسألة أصل عند المالكية في مراعاة الخلاف كما هو معلوم عندهم . التنبيه الثاني : قال بعض علماء العربية : أصل القفو البهت والقذف بالباطل ؛ ومنه الحديث الذي روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا » أخرجه الإمام أحمد « 2 » وابن ماجة « 3 » وغيرهما من حديث الأشعث بن قيس . وساق طرق هذا الحديث ابن كثير في تاريخه . وقوله « لا نقفوا أمنا » أي لا نقذف أمنا ونسبها ، ومنه قول الكميت : فلا أرمي البريء بغير ذنب * ولا أقفوا الحواصن إن قفينا وقول النابغة الجعدي : ومثل الدمى شم العرانين ساكن * بهن الحياء لا يشعن التقافيا والذي يظهر لنا أن أصل القفو في لغة العرب : الاتباع كما هو معلوم من اللغة . ويدخل فيه اتباع المساوي كما ذكره من قال : إن أصله القذف والبيت . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( 36 ) [ 36 ] فيه وجهان من التفسير : الأول - أن معنى الآية - أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه فيقال له : لم سمعت ما لا يحل لك سماعه ؟ ! ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه ! ؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه ! ؟ ويدل لهذا المعنى آيات من كتاب اللّه تعالى ، كقوله : وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 93 ) [ النحل : 93 ] ، وقوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 - 93 ] ، ونحو ذلك من الآيات . والوجه الثاني - أن الجوارح هي التي تسأل عن أفعال صاحبها ، فتشهد عليه جوارحه بما فعل .
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في البيوع حديث 2053 و 2218 ، والوصايا حديث 2745 ، والفرائض حديث 6749 و 6765 ، والمحاربين حديث 6817 و 6818 ، والأحكام حديث 7182 ، ومسلم في الرضاع حديث 36 . ( 2 ) المسند 5 / 211 ، 212 . ( 3 ) كتاب الحدود ، حديث 2612 .