الشنقيطي

402

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم . وقد فعل ذلك بأمر علي رضي اللّه عنه كما هو مشهور في كتب التاريخ . ولو كان انتظار بلوغ الصغير واجبا لانتظره . وأجيب عن هذا من قبل المخالفين بجوابين : أحدهما - أن ابن ملجم كافر ؛ لأنه مستحل دم علي ، ومن استحل دم مثل علي رضي اللّه عنه فهو كافر . وإذا كان كافرا فلا حجة في قتله . الثاني - أنه ساع في الأرض بالفساد ، فهو محارب ، والمحارب إذا قتل وجب قتله على كل حال ولو عفا أولياء الدم ؛ كما قدمناه في سورة « المائدة » وإذن فلا داعي للانتظار . قال : البيهقي في السنن الكبر ما نصه : قال بعض أصحابنا : إنما استبد الحسن بن علي رضي اللّه عنهما بقتله قبل بلوغ الصغار من ولد علي رضي اللّه عنه ؛ لأنه قتله حدا لكفره لا قصاصا . وقال ابن قدامة في « المغني » : فأما ابن ملجم فقد قيل إنه قتله بكفره ؛ لأنه قتل عليا مستحلا لدمه ، معتقدا كفره ، متقربا بذلك إلى اللّه تعالى . وقيل : قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح ، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل ، وقتله متحتم ، وهو إلى الإمام . والحسن هو الإمام ، ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة . ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم . وإن قدر أنه قتله قصاصا فقد اتفقنا على خلافه ؛ فكيف يحتج به بعضنا على بعض . انتهى كلام صاحب المغني . وقال ابن كثير في تاريخه ما نصه : قال العلماء : ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي ؛ فإنه كان صغيرا يوم قتل أبوه . قالوا : لأنه كان قتل محاربة لا قصاصا . واللّه أعلم اه . واستدل القائلون بأن ابن ملجم كافر بالحديث الذي رواه علي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أشقى الأولين » ؟ قلت : عاقر الناقة . قال : « صدقت . فمن أشقى الآخرين » ؟ قلت : لا علم لي يا رسول اللّه . قال : « الذي يضربك على هذا - وأشار بيده على يافوخه - فيخضب هذه من هذه - يعني لحيته - من دم رأسه » قال : فكان يقول : « وددت أنه قد انبعث أشقاكم » وقد ساق طرق هذا الحديث ابن كثير رحمه اللّه في تاريخه ، وابن عبد البر في « الاستيعاب » وغيرهما . قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي عليه أهل التاريخ والأخبار - واللّه تعالى أعلم - أن قتل ابن ملجم كان قصاصا لقتله عليا رضي اللّه عنه ؛ لا لكفر ولا حرابة . وعلي رضي اللّه عنه لم يحكم بكفر الخوارج . ولما سئل عنهم قال : من الكفر فروا . فقد ذكر المؤرخون أن عليا رضي اللّه عنه أمرهم أن يحبسوا ابن ملجم ويحسنوا إساره ، وأنه إن مات قتلوه به قصاصا ، وإن حي فهو ولي دمه ؛ كما ذكره ابن جرير ، وابن الأثير ، وابن كثير وغيرهم في تواريخهم .