الشنقيطي

363

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم معلوم أنه لا يجعل مع اللّه إلها آخر ، وأنه لا يقعد مذموما مخذولا . ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه صلى اللّه عليه وسلم يوجه إليه الخطاب ، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو صلى اللّه عليه وسلم - . قوله تعالى : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) [ 23 ] . لأن معنى قوله إِمَّا يَبْلُغَنَّ الآية : أي إن يبلغ عندك والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف . ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل ؛ فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل ، إلا أن المراد التشريع لغيره صلى اللّه عليه وسلم . ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنسانا والمراد بالخطاب غيره . ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز ، وهو سهل بن مالك الفزاري : إياك أعني واسمعي يا جاره وسبب هذا المثل : أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبا ؛ فأنزلته أخته وأكرمته ، وكانت جميلة ؛ فأعجبه جمالها ، فقال مخاطبا لأخر غيرها ليسمعها هي : يا أخت خير البدو والحضاره * كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهو حرة معطاره * إياك أعني واسمعي يا جاره ففهمت المرأة مراده ، وأجابته بقولها : إني أقول يا فتى فزاره * لا أبتغي الزوج ولا الدعاره ولا فراق أهل هذي الحاره * فارحل إلى أهلك باستحاره والظاهر أن قولها « باستحاره » أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما - أي ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك ، وهي كلامك وجوابي له ، ولا تحصل مني على غير ذلك ! والهاء في « الاستحارة » عوض من العين الساقطة بالإعلال ؛ كما هو معروف في فن الصرف . وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله : لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ الإسراء : 22 ] ونحو ذلك من الآيات - متوجه إلى المكلف . ومن أساليب اللغة العربية : إفراد الخطاب مع قصد التعميم ؛ كقول طرفة بن العبد في معلقته : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود