الشنقيطي

364

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال الفراء ، والكسائي ، والزمخشري : ومعنى قوله فَتَقْعُدَ أي تصير . وجعل الفراء منه قول الراجز : لا يقنع الجارية الخضاب * ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي الأركاب * ويقعد الأير له لعاب أي يصير له لعاب . وحكى الكسائي : قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها ؛ بمعنى صار . قاله أبو حيان في البحر . ثم قال أيضا : والقعود هنا عبارة عن المكث ، أي فتمكث في الناس مذموما مخذولا ؛ كما تقول لمن سأل عن حال شخص : هو قاعد في أسوإ حال . ومعناه ماكث ومقيم ؛ سواء كان قائما أم جالسا . وقد يراد القعود حقيقة ؛ لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرا متفكرا ، وعبر بغالب حاله وهو القعود . وقيل : معنى فَتَقْعُدَ فتعجز . والعرب تقول : ما أقعدك عن المكارم اه محل الغرض من كلام أبي حيان . والمذموم هنا : هو من يلحقه الذم من اللّه ومن العقلاء من الناس ؛ حيث أشرك باللّه ما لا ينفع ولا يضر ، ولا يقدر على شيء . والمخذول : هو الذي لا ينصره من كان يؤمل منه النصر ؛ ومنه قوله : إن المرء ميتا بانقضاء حياته * ولكن بأن يبغي عليه فيخذلا قوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ 23 ] . أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده ، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين . وجعله بر الوالدين مقرونا بعبادته وحده جل وعلا المذكور هنا ذكره في آيات أخر ؛ كقوله في سورة « النساء » : * وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ النساء : 36 ] الآية ، وقوله في البقرة : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ البقرة : 83 ] الآية ، وقوله في سورة لقمان : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) [ لقمان : 14 ] ، وبين في موضوع آخر أن برهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى شركهما ؛ كقوله في « لقمان » : وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [ لقمان : 15 ] ، وقوله في « العنكبوت » : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [ العنكبوت : 8 ] الآية . وذكره جل وعلا في هذه الآيات : بر الوالدين مقرونا بتوحيده جل وعلا في عبادته ،