الشنقيطي
356
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) أي أهلكناها إهلاكا مستأصلا . وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم . وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة ؛ كقوله : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] الآية . فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا أي أمرناهم بالطاعة فعصوا . وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا ؛ لأن اللّه لا يأمر بالفحشاء . ومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 34 ) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) [ سبأ : 34 - 35 ] . فقوله في هذه الآية وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ الآية ، لفظ عام في جميع المترفين من جميع القر أن الرسل أمرتهم بطاعة اللّه فقالوا لهم : إنا بما أرسلتم به كافرون ، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم . والآيات بمثل ذلك كثيرة . وبهذا التحقيق تعلم : أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى أَمَرْنا مُتْرَفِيها أي أمرناهم بالفسق ففسقوا . وأن هذا مجاز تنزيلا لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك - كلام كله ظاهر السقوط والبطلان ؛ وقد أوضح إبطاله أبو حيان في « البحر » ، والرازي في تفسيره ، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه . وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف ، من قولهم : أمرته فعصاني . أي أمرته بالطاعة فعصى . وليس المعنى : أمرته بالعصيان كما لا يخفى . القول الثاني في الآية - هو أن الأمر في قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها أمر كوني قدري ، أي قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له ؛ لأن كلا ميسر لما خلق له . والأمر الكوني القدري كقوله وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) [ القمر : 50 ] ، وقوله : قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ 166 ( 166 ) [ الأعراف : 166 ] ، وقوله أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ [ يونس : 24 ] ، وقوله إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) [ يس : 82 ] . القول الثالث في الآية - أن « أمرنا » بمعنى أكثرنا ؛ أي أكثرنا مترفيها ففسقوا . وقال أبو عبيدة أَمَرْنا بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد . ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خير مال امرء مهرة مأمورة ، أو سكة مأبورة » « 1 » .
--> ( 1 ) المسند 3 / 468 .