الشنقيطي

355

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأيضا - فإن اللّه تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ؛ فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا ، يقتل الرجل أباه وأخاه ، وهم في عماية غمامة أرسلها اللّه عليهم ؛ وذلك عقوبة لهم على عبادة العجل . وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور . واللّه أعلم . انتهى كلام ابن كثير بلفظه . وقال ابن كثير رحمه اللّه تعالى أيضا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه : ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر ؛ فمن أطاع دخل الجنة ، وانكشف علم اللّه فيه بسابق السعادة . ومن عصى دخل النار داخرا ، وانكشف علم اللّه فيه بسابق الشقاوة . وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها ، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة ، الشاهد بعضها لبعض . وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة ، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ( الاعتقاد ) وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد . انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه اللّه تعالى ، وهو واضح جدا فيما ذكرنا . الأمر الثاني - أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف ؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما . ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان ؛ فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان ، ويتفق بذلك جميع الأدلة ، والعلم عند اللّه تعالى . ولا يخفى أن مثل قول ابن عبد البر رحمه اللّه تعالى : إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل - لا يصح أن ترد به النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ كما أوضحناه في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) . قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) [ 16 ] . في معنى قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير : الأول - وهو الصواب الذي يشهد له القرآن ، وعليه جمهور العلماء - أن الأمر في قوله أَمَرْنا هو الأمر الذي هو ضد النهي ، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره . والمعنى : أَمَرْنا مُتْرَفِيها بطاعة اللّه وتوحيده ، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به فَفَسَقُوا أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم ، وعصوه وكذبوا رسله فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ أي وجب عليها الوعيد