الشنقيطي
354
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الأول - أن هذا ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وثبوته عنه نص في محل النزاع ؛ فلا وجه للنزاع البتة مع ذلك . قال الحافظ ابن كثير رحمه اللّه تعالى في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة ، رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل ، وأن التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن - ما نصه : والجواب عما قال : أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف يتقو بالصحيح والحسن . وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط ، أفادت الحجة عند الناظر فيها . وأما قوله : إن الدار الآخرة دار جزاء ، فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار ؛ كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال ، وقد قال تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ [ الطارق : 42 ] الآية . وقد ثبت في الصحاح وغيرها : « أن المؤمنون يسجدون للّه يوم القيامة ، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا واحدا ، كلما أراد السجود خر لقفاه » « 1 » . وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها : « أن اللّه يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك منه ، ويقول اللّه تعالى : يا بن آدم ، ما أعذرك ! ثمّ يأذن له في دخول الجنة » « 2 » وأما قوله : فكيف يكلفهم اللّه دخول النار ، وليس ذلك في وسعهم ؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث ؛ « فإن اللّه يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط وهو جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر ، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم ، كالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل والركاب . ومنهم الساعي ، ومنهم الماشي ، ومنهم من يحبو حبوا ، ومنهم المكدوس على وجهه في النار » وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا ، بل هذا أطم وأعظم ! وأيضا - فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي ير أنه نار فإنه يكون عليه بردا وسلاما ؛ فهذا نظير ذلك .
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : البخاري في التوحيد حديث 7439 ، ومسلم في الإيمان حديث 302 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في التوحيد حديث 7437 ، ومسلم في الإيمان حديث 299 .