الشنقيطي

339

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ الإسراء : 12 ] يعني أنّه جعل اللّيل مظلما مناسبا للهدوء والراحة ، والنهار مضيئا مناسبا للحركة والاشتغال بالمعاش في الدنيا ؛ فيسعون في معاشهم في النهار ، ويستريحون من تعب العمل باللّيل . ولو كان الزمن كلّه ليلا لصعب عليهم العمل في معاشهم ، ولو كان كلّه نهارا لأهلكهم التعب من دوام العمل . فكما أنّ اللّيل والنهار آيتان من آياته جلّ وعلا ، فهما أيضا نعمتان من نعمه جلّ وعلا . وبيّن هذا المعنى المشار إليه هنا في مواضع أخر ، كقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 72 ) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 73 ) [ القصص : 71 - 73 ] . فقوله : لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي في الليل . وقوله : وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي في النهار وقوله : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ( 9 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ( 10 ) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ( 11 ) [ النبأ : 9 - 11 ] الآية ، وقوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) [ الفرقان : 47 ] وقوله : وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ الروم : 23 ] الآية ، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ الأنعام : 60 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ الإسراء : 12 ] بين فيه نعمة أخر على خلقه ، وهي معرفتهم عدد السنين والحساب ؛ لأنّهم باختلاف الليل والنهار يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام ، ويعرفون بذلك يوم الجمعة ليصلوا فيه صلاة الجمعة ، ويعرفون شهر الصوم ، وأشهر الحج ، ويعلمون مضي أشهر العدّة لمن تعتدّ بالأشهر المشار إليها في قوله : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [ الطلاق : 4 ] ، وقوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] . ويعرفون مضي الآجال المضروبة للديون والإجارات ، ونحو ذلك . وبيّن جلّ وعلا هذه الحكمة في مواضع أخر ، كقوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 ) [ يونس : 5 ] ؛ وقوله جل وعلا : * يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة : 189 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 12 ] فيه وجهان من التفسير للعلماء :