الشنقيطي
335
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ الأحزاب : 9 ] ولما علم جلّ وعلا من أهل بيعة الرّضوان الإخلاص الكامل ، ونوّه عن إخلاصهم بالاسم المبهم الّذي هو الموصول في قوله : * لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ [ الفتح : 18 ] : أي من الإيمان والإخلاص - كان من نتائج ذلك ما ذكره اللّه جلّ وعلا في قوله وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 21 ) [ الفتح : 21 ] فصرّح جلّ وعلا في هذه الآية بأنّهم لم يقدروا عليها ، وأنّ اللّه جلّ وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها ، وذلك من نتائج قوة إيمانهم وشدّة إخلاصهم . فدلّت الآية على أن الإخلاص للّه وقوّة الإيمان به ، هو السبب لقدرة الضعيف على القوي وغلبته له كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 249 ) [ البقرة : 249 ] ، وقوله تعالى في هذه الآية : لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها فعل في سياق النفي ، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق ، كما تقرر في الأصول . ووجهه ظاهر ؛ لأنّ الفعل الصناعي « أعني الّذي يسمى في الاصطلاح فعل الأمر أو الفعل الماضي أو الفعل المضارع » ينحل عند النحويين ، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن ، كما أشار له في الخلاصة بقوله : المصدر اسم ما سو الزمان من * مدلولي الفعل كأمن من أمن وعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة ، وهذا هو الظاهر كما حرره بعض البلاغيين ، في بحث الاستعارة التبعية . فالمصدر إذن كامن في مفهوم الفعل إجماعا ؛ فيتسلط النفي الداخل على الفعل على المصدر الكامن في مفهومه ، وهو في المعنى نكرة ؛ إذ ليس له سبب يجعله معرفة ، فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي ، وهي من صيغ العموم . فقوله : لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها في معنى لا قدرة لكم عليها ، وهذا يعم سلب جميع أنواع القدرة ؛ لأنّ النكرة في سياق النفي تدلّ على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد الداخلة تحت العنوان ؛ كما هو معروف في محله . وبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة عليها مسلوب عنهم ، ولكن اللّه جلّ وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها ؛ لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) [ الصافات : 173 ] . المشكلة الثانية هي تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والجراح وأنواع الإيذاء - مع أن المسلمين على الحق . والكفّار على الباطل .