الشنقيطي

336

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهذه المشكلة استشكلها أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ فأفتى اللّه جلّ وعلا فيها ، وبيّن السبب في ذلك بفتو سماوية تتلى في كتابه جلّ وعلا . وذلك أنّه لمّا وقع ما وقع بالمسلمين يوم أحد : فقتل عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وابن عمّته ، ومثّل بهما ، وقتل غيرهما من المهاجرين ، وقتل سبعون رجلا من الأنصار ، وجرح صلى اللّه عليه وسلم ، وشقّت شفته ، وكسرت رباعيته ، وشجّ صلى اللّه عليه وسلم . استشكل المسلمون ذلك وقالوا : كيف يدال منا المشركون ؟ ونحن على الحقّ وهم على الباطل ؟ ! فأنزل اللّه قوله تعالى : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [ آل عمران : 165 ] . وقوله تعالى : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ . فيه إجمال بينه تعالى بقوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [ آل عمران : 152 ] . ففي هذه الفتو السماويّة بيان واضح ؛ لأنّ سبب تسليط الكفار على المسلمين هو فشل المسلمين ، وتنازعهم في الأمر ، وعصيانهم أمره صلى اللّه عليه وسلم ، وإرادة بعضهم الدنيا مقدما لها على أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وقد أوضحنا هذا في سورة « آل عمران » ومن عرف أصل الداء . عرف الدواء ؛ كما لا يخفى . المشكلة الثالثة هي اختلاف القلوب الّذي هو أعظم الأسباب في القضاء على كيان الأمة الإسلامية ؛ لاستلزامه الفشل ، وذهاب القوة والدولة ؛ كما قال تعالى : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [ الأنفال : 46 ] . وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة « الأنفال » . فتر المجتمع الإسلامي اليوم في أقطار الدنيا يضمر بعضهم لبعض العداوة والبغضاء ، وإن جامل بعضهم بعضا فإنّه لا يخفى على أحد أنّها مجاملة ، وأنّ ما تنطوي عليه الضمائر مخالف لذلك . وقد بيّن تعالى في سورة « الحشر » أنّ سبب هذا الداء الّذي عمت به البلو إنما هو ضعف العقل ؛ قال تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [ الحشر : 14 ] ثم ذكر العلّة لكون قلوبهم شتى بقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) [ الحشر : 14 ] . ولا شك أن داء ضعف العقل الّذي يصيبه فيضعفه عن إدراك الحقائق ، وتمييز الحقّ من الباطل ، والنافع من