الشنقيطي
334
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأنعام : 151 ] ، وقال تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ( 72 ) [ الفرقان : 72 ] ، وقال تعالى : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ( 55 ) [ القصص : 55 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق ، ومحاسن العادات . ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم - هديه إلى حلّ المشاكل العالميّة بأقوم الطرق وأعدلها . ونحن دائما في المناسبات نبيّن هدي القرآن العظيم إلى حلّ ثلاث مشكلات ، هي من أعظم ما يعانيه العالم في جميع المعمورة ممّن ينتمي إلى الإسلام ، - تنبيها بها على غيرها : المشكلة الأولى هي ضعف المسلمين في أقطار الدنيا في العدد والعدد عن مقاومة الكفار . وقد هد القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها ؛ فبيّن أنّ علاج الضعف عن مقاومة الكفّار إنما هو بصدق التوجه إلى اللّه تعالى ، وقوّة الإيمان به والتوكّل عليه ؛ لأنّ اللّه قوي عزيز ، قاهر لكل شيء ؛ فمن كان من حزبه على الحقيقة لا يمكن أن يغلبه الكفار ولو بلغوا من القوة ما بلغوا . فمن الأدلة المبينة لذلك : أن الكفار لما ضربوا على المسلمين ذلك الحصار العسكري العظيم في غزوة الأحزاب المذكور في قوله تعالى إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ( 11 ) [ الأحزاب : 10 - 11 ] كان علاج ذلك هو ما ذكرنا ؛ فانظر شدّة هذا الحصار العسكري وقوّة أثره في المسلمين ، مع أن جميع أهل الأرض في ذلك الوقت مقاطعوهم سياسة واقتصادا . فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ العلاج الّذي قابلوا به هذا الأمر العظيم ، وحلّوا به هذه المشكلة العظمى ، هو ما بيّنه جلّ وعلا ( في سورة الأحزاب ) بقوله : وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً ( 22 ) [ الأحزاب : 22 ] . فهذا الإيمان الكامل ، وهذا التسليم العظيم للّه جلّ وعلا ، ثقة به ، وتوكلا عليه ، هو سبب حلّ هذه المشكلة العظمى . وقد صرّح اللّه تعالى بنتيجة هذا العلاج بقوله تعالى : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ( 26 ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 27 ) [ الأحزاب : 25 - 27 ] . وهذا الذي نصرهم اللّه به على عدّوهم ما كانوا يظنونه ، ولا يحسبون أنهم ينصرون به وهو الملائكة والريح ؛ قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا