الشنقيطي

333

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المصلحة الثانية - جلب المصالح ، وقد جاء القرآن بجلب المصالح بأقوم الطرق وأعدلها ؛ ففتح الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين ، قال تعالى فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ الجمعة : 10 ] وقال : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [ البقرة : 198 ] ، وقال : يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ [ المزمل : 20 ] ، وقال : بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [ النساء : 29 ] . ولأجل هذا جاء الشرع الكريم بإباحة المصالح المتبادلة بين أفراد المجتمع على الوجه المشروع ؛ ليستجلب كل مصلحته من الآخر ، كالبيوع ، والإجارات والأكرية والمساقاة والمضاربة ، وما جر مجر ذلك . المصلحة الثالثة - الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، وقد جاء القرآن بذلك بأقوم الطرق وأعدلها . والحضّ على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات كثير جدّا في كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولذلك لمّا سئلت عائشة رضي اللّه عنها عن خلقه صلى اللّه عليه وسلم قالت : « كان خلقه القرآن » « 1 » لأنّ القرآن يشتمل على جميع مكارم الأخلاق ؛ لأنّ اللّه تعالى يقول في نبيّه صلى اللّه عليه وسلم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) [ القلم : 4 ] . فدلّ مجموع الآية وحديث عائشة على أنّ المتّصف بما في القرآن من مكارم الأخلاق : أنّه يكون على خلق عظيم ، وذلك لعظم ما في القرآن من مكارم الأخلاق ، وسنذكر لك بعضا من ذلك تنبيها به على غيره . فمن ذلك قوله تعالى : لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [ البقرة : 237 ] الآية . فانظر ما في هذه الآية من الحضّ على مكارم الأخلاق من الأمر بالعفو والنهي عن نسيان الفضل . وقال تعالى وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا [ المائدة : 2 ] الآية ، وقال تعالى وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] . فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق ، والأمر بأن تعامل من عصى اللّه فيك بأن تطيعه فيه . وقال تعالى : * وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 36 ] فانظر إلى هذا من مكارم الأخلاق ، والأمر بالإحسان إلى المحتاجين والضعفاء ، وقال تعالى : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) [ النحل : 90 ] ، وقال تعالى : * يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [ الأعراف : 31 ] الآية ، وقال :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين حديث 139 .