الشنقيطي

331

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

القرابة . فدلّ ذلك على أنّ الأخوة الدينية أقرب من النبوّة النّسبيّة . وبالجملة ، فلا خلاف بين المسلمين أنّ الرابطة الّتي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض ، وتربط بين أهل الأرض والسماء ، هي رابطة « لا إله إلّا اللّه » فلا يجوز البتّة النداء برابطة غيرها . ومن والى الكفار بالروابط النّسبيّة محبّة لهم ، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ المائدة : 51 ] ، وقوله تعالى : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ( 73 ) [ الأنفال : 73 ] والعلم عند اللّه تعالى . وبالجملة - فالمصالح الّتي عليها مدار الشرائع ثلاثة : الأولى - درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريّات . والثانية - جلب المصالح ، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيّات . والثالثة - الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينيّات والتتميمات . وكل هذه المصالح الثلاث هد فيها القرآن العظيم للطريق الّتي هي أقوم الطرق وأعد لها . فالضروريّات الّتي هي درء المفاسد - إنّما هي درؤها عن ستة أشياء : الأوّل - الدّين ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعد لها ؛ كما قال تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ البقرة : 193 ] ، وفي آية الأنفال : وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [ الأنفال : 39 ] وقال تعالى : تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدو أن لا إله إلّا اللّه » « 1 » الحديث ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من بدّل دينه فاقتلوه » « 2 » إلى غير ذلك من الأدلّة على المحافظة على الدين . والثاني - النفس ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها بأقوم الطرق وأعدلها ؛ ولذلك أوجب القصاص درءا للمفسدة عن الأنفس ، كما قال تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 179 ] الآية ، وقال : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] الآية ، وقال : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [ الإسراء : 33 ] الآية . الثالث - العقل ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها ؛ قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) [ المائدة : 91 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كل مسكر

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الزكاة حديث 1399 ، والجهاد حديث 2946 ، ومسلم في الإيمان حديث 32 و 33 و 34 ، وأخرجه عن ابن عمر : البخاري في الإيمان حديث 25 ، ومسلم في الإيمان حديث 36 . ( 2 ) سبق تخريجه في الجزء الثاني .