الشنقيطي

327

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المهاجريّ : يا للمهاجرين - هو النداء بالقوميّة العصبيّة بعينه ، وقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « دعوها فإنّها منتنة » يقتضي وجوب ترك النداء بها ؛ لأنّ قوله « دعوها » أمر صريح بتركها ، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما تقرّر في الأصول ؛ لأنّ اللّه يقول : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) [ النور : 63 ] ، ويقول لإبليس : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ الأعراف : 12 ] فدلّ على أنّ مخالفة الأمر معصية . وقال تعالى عن نبيّه موسى في خطابه لأخيه : أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) فأطلق اسم المعصية على مخالفة الأمر : وقال تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [ الأحزاب : 36 ] فدلّت الآية على أنّ أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم مانع من الاختيار ، موجب للامتثال ؛ لا سيّما وقد أكّد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم هذا الأمر بالترك بقوله : « فإنّها منتنة » وحسبك بالنتن موجبا للتباعد لدلالته على الخبث البالغ . فدّل هذا الحديث الصحيح على أنّ النداء برابطة القوميّة مخالف لما أمر به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأنّ فاعله يتعاطى المنتن ، ولا شكّ أنّ المنتن خبيث ، واللّه تعالى يقول : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ [ النور : 26 ] الآية ، ويقول : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] وحديث جابر هذا الّذي قدّمناه عن البخاريّ أخرجه أيضا مسلم في صحيحه قال رحمه اللّه : حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ؛ وزهير بن حرب ، وأحمد بن عبدة الضّبّيّ ، وابن أبي عمر ، واللّفظ لابن أبي شيبة قال ابن عبدة : أخبرنا وقال الآخرون : حدّثنا سفيان بن عيينة قال : سمع عمرو جابر بن عبد اللّه يقول : كنّا مع النبيّ في غزاة ، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ! ! وقال المهاجريّ : يا للمهاجرين ! ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما بال دعو الجاهليّة » ! قالوا : يا رسول اللّه ، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال : « دعوها فإنّها منتنة . » الحديث « 1 » . وقد عرفت وجه لدلالة هذا الحديث على التحريم ، مع أنّ في بعض رواياته الثابتة في الصحيح التصريح بأنّ دعو الرجل : « يا لبني فلان » من دعو الجاهليّة . وإذا صحّ بذلك أنّها من دعو الجاهليّة فقد صحّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ليس منّا من ضرب الخدود ، وشقّ الجيوب ، ودعا بدعو الجاهليّة » « 2 » . وفي رواية في الصحيح : « ليس منّا من ضرب الخدود ، أو شقّ الجيوب ، أو دعا بدعو الجاهليّة » « 3 » ، وذلك صريح في أنّ من دعا تلك الدعو ليس منّا ، وهو دليل واضح على التحريم الشديد . ومما يدلّ لذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب حديث 63 . ( 2 ) أخرجه عن ابن مسعود : البخاري في الجنائز حديث 1297 و 1298 ، والمناقب حديث 3519 ، ومسلم في الإيمان حديث 165 و 166 . ( 3 ) أخرجه عن ابن مسعود مسلم في الإيمان حديث 165 .