الشنقيطي

328

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تعزّ عليكم بعزاء الجاهليّة فأعضّوه بهن أبيه ولا تكنوا » هذا حديث صحيح ، أخرجه الإمام أحمد من طرق متعددة عن عتي بن ضمرة السعديّ ، عن أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه « 1 » ، وذكره صاحب الجامع الصغير بلفظ « إذا سمعتم من يعتزي بعزاء الجاهليّة فأعضّوه ولا تكنوا » « 2 » وأشار لأنه أخرجه أحمد في المسند ، والنسائي وابن حبان « 3 » ، والطبراني في الكبير ، والضياء المقدسي عن أبي رضي اللّه عنه ، وجعل عليه علامة الصحّة . وذكره أيضا صاحب الجامع الصغير بلفظ « إذا رأيتم الرجل يتعزّ . . » الخ ، وأشار إلى أنّه أخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي ، وجعل عليه علامة الصحة . وقال شارحه المناوي : ورواه عنه أيضا الطبراني ، قال الهيتمي : ورجاله ثقات ، وقال شارحه العزيزي : هو حديث صحيح . وقال فيه الشيخ إسماعيل بن محمّد العجلوني في كتابه ( كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ) قال النجم : رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي بن كعب رضي اللّه عنه . ومراده بالنجم : الشيخ محمد نجم الدين الغزّي في كتابه المسمّى ( إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن ) فانظر كيف سمّى النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك النداء « عزاء الجاهلية » وأمر أن يقال للداعي به « اعضض على هن أبيك » أي فرجه ، وأن يصرّح له بذلك ولا يعبّر عنه بالكتابة . فهذا يدلّ على شدّة قبح هذا النداء ، وشدّة بغض النبيّ صلى اللّه عليه وسلم له . واعلم أن رؤساء الدّعاة إلى نحو هذه القوميّة العربيّة : أبو جهل ، وأبو لهب ، والوليد ابن المغيرة ، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة . وقد بيّن تعالى تعصّبهم لقوميتّهم في آيات كثيرة ؛ كقوله : قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [ المائدة : 104 ] الآية ، وقوله : قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا [ البقرة : 170 ] الآية ، وأمثال ذلك من الآيات . واعلم أنه لا خلاف بين العلماء - كما ذكرنا آنفا - في منع النداء برابطة غير الإسلام ؛ كالقوميّات والعصبيّات النسبيّة ، ولا سيّما إذا كان النداء بالقوميّة يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكليّة ؛ فإنّ النداء بها حينئذ معناه الحقيقي : أنّه نداء إلى التخلّي عن دين الإسلام ، ورفض الرابطة السماويّة رفضا باتّا ، على أن يعتاض من ذلك روابط عصبيّة قوميّة ، مدارها على أنّ هذا من العرب ، وهذا منهم أيضا مثلا ؛ فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفا من الإسلام ؛ واستبدالها به صفقة خاسرة ؛ فهي كما قال الراجز : بدّلت بالجمّة رأسا أزعرا * وبالثنايا الواضحات الدردرا

--> ( 1 ) المسند 5 / 136 . ( 2 ) السيوطي ، الجامع الصغير حديث 697 . ( 3 ) حديث 3143 .