الشنقيطي
317
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وجمهور العلماء على أنّ القطع من الكوع ، وأنّها اليمنى . وكان ابن مسعود وأصحابه يقرؤون « فاقطعوا أيمانهما » . والجمهور أنّه إن سرق ثانيا قطعت رجله اليسر ، ثمّ إن سرق فيده اليسر ، ثمّ إن سرق فرجله اليمنى ، ثمّ يعزّر . وقيل يقتل ؛ كما جاء في الحديث : « ولا قطع إلّا في ربع دينار أو قيمته أو ثلاثة دراهم » « 1 » كما هو معروف في الأحاديث . وليس قصدنا هنا تفصيل أحكام السرقة . وشروط القطع ، كالنصاب والإخراج من حرز . ولكن مرادنا أن نبيّن أنّ قطع يد السارق من هدي القرآن للّتي هي أقوم . وذلك أنّ هذه اليد الخبيثة الخائنة ، الّتي خلقها اللّه لتبطش وتكتسب في كلّ ما يرضيه من امتثال أوامره واجتناب نهيه ، والمشاركة في بناء المجتمع الإنسانيّ - فمدّت أصابعها الخائنة ، إلى مال الغير لتأخذه بغير حقّ ، واستعملت قوّة البطش المودعة فيها في الخيانة والغدر ، وأخذ أموال الناس على هذا الوجه القبيح ، يد نجسة قذرة ، ساعية في الإخلال بنظام المجتمع ؛ إذ لا نظام له بغير المال ، فعاقبها خالقها بالقطع والإزالة ؛ كالعضو الفاسد الّذي يجرّ الداء لسائر البدن ، فإنّه يزال بالكلّيّة إبقاء على البدن ، وتطهيرا له من المرض . ولذلك فإنّ قطع اليد يطهّر السارق من دنس ذنب ارتكاب معصية السرقة ، مع الردع البالغ بالقطع عن السرقة ؛ قال البخاري في صحيحه : « باب - الحدود كفّارة » حدّثنا محمّد بن يوسف حدّثنا ابن عيينة عن الزّهري ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه قال : كنّا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم في مجلس ، فقال : « بايعوني على أن لا تشركوا اللّه شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، وقرأ هذه الآية كلّها ، فمن وفى منكم فأجره على اللّه ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفّارته ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره اللّه عليه ؛ إن شاء غفر له ، وإن شاء عذّبه » . اه هذا لفظ البخاري في صحيحه « 2 » . وقوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح « فهو كفّارته » نصّ صريح في أنّ الحدود تطهرّ المرتكبين لها من الذنب . والتحقيق في ذلك ما حقّقه بعض العلماء : من أنّ حقوق اللّه يطهر منها بإقامة الحدّ .
--> - ومسلم في الحدود حديث 9 ، وأخرجه عن جابر بن عبد اللّه مسلم في الحدود حديث 11 . ( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في الحدود حديث 6789 ، ومسلم في الحدود حديث 1 ، وأبو داود في الطهارة حديث 4383 ، والترمذي في الحدود حديث 1445 ، والنسائي في قطع السارق ، باب ذكر الاختلاف على الزهري ، وابن ماجة في الحدود حديث 2585 ، وأخرجه عن ابن عمر : البخاري في الحدود حديث 6796 و 6797 و 6798 ، ومسلم في الحدود حديث 6 ، وأبو داود في الحدود حديث 4385 ، والترمذي في الحدود حديث 1446 ، والنسائي في قطع السارق ، باب القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده ، وابن ماجة في الحدود حديث 2584 . ( 2 ) كتاب الحدود حديث 6784 .