الشنقيطي

296

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلّها ؛ إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبّر به في هذا المقام العظيم ، الّذي اخترق العبد فيه السبع الطباق ، ورأ من آيات ربّه الكبر . وقد قال الشاعر في محبوب مخلوق ، وللّه المثل الأعلى : يا قوم قلبي عند زهراء * يعرفه السّامع والرّاءي لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنّه أشرف أسمائي واختلف العلماء في النكتة البلاغيّة التي نكر من أجلها لَيْلًا في هذه الآية الكريمة . قال الزمخشريّ في الكشّاف : أراد بقوله لَيْلًا بلفظ التّنكير تقليل مدّة الإسراء ، وأنّه أسري به في بعض اللّيل من مكّة إلى الشّام مسيرة أربعين ليلة . وذلك أنّ التّنكير فيه قد دلّ على معنى البعضيّة ، ويشهد لذلك قراءة عبد اللّه وحذيفة من الليل أي بعض اللّيل ؛ كقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً [ الإسراء : 79 ] يعني بالقيام في بعض الليل اه واعترض بعض أهل العلم هذا . وذكر بعضهم : أن التّنكير في قوله لَيْلًا للتّعظيم ؛ أي ليلا أيّ ليل ، دنا فيه المحبّ إلى المحبوب ! وقيل فيه غير ذلك . وقد قدّمنا : أنّ أسر وسر لغتان ؛ كسقى وأسقى ، وقد جمعهما قول حسّان رضي اللّه عنه : حيّ النّضيرة ربّه الخدر * أسرت إليك ولم تكن تسري بفتح التاء من « تسري » والباء في اللغتين للتّعدية ، كالباء في ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 10 ] وقد تقدّمت شواهد هذا في ( سورة هود ) . تنبيه اختلف العلماء - هل رأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ربّه ليلة الإسراء بعين رأسه أولا ؟ فقال ابن عباس وغيره : « رآه بعين رأسه » وقالت عائشة وغيرها : « لم يره » « 1 » . وهو خلاف مشهور ، بين أهل العلم معروف . قال مقيّده عفا اللّه عنه : التّحقيق الّذي دلّت عليه نصوص الشّرع : أنّه صلى اللّه عليه وسلم لم يره بعين رأسه . وما جاء عن بعض السّلف من أنّه رآه ؛ فالمراد به الرّؤية بالقلب ؛ كما في صحيح مسلم : « أنّه رآه بفؤاده مرّتين » « 2 » لا بعين الرأس . ومن أوضح الأدلّة على ذلك - أن أبا ذر رضي اللّه عنه ( وهو هو في صدق اللّهجة ) سأل النّبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذه المسألة بعينها ؛ فأفتاه بما مقتضاه : أنّه لم يره . قال مسلم بن الحجّاج

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4855 ، ومسلم في الإيمان حديث 287 . ( 2 ) أخرجه عن ابن عباس : مسلم في الإيمان حديث 285 .