الشنقيطي
293
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فأسري به يقظة تصديقا لتلك الرّؤيا المنامية . كما رأ في النّوم أنّهم دخلوا المسجد الحرام ، فجاءت تلك الرّؤيا كفلق الصبح ، فدخلوا المسجد الحرام في عمرة القضاء عام سبع يقظة ، لا مناما ، تصديقا لتلك الرّؤيا ؛ كما قال تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ . . الآية . ويؤيّد ذلك حديث عائشة الصّحيح « فكان لا ير رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح » « 1 » مع أنّ جماعة من أهل العلم قالوا : إنّ شريك بن عبد اللّه بن أبي نمر ساء حفظه في تلك الرّواية المذكورة عن أنس ، وزاد فيها ونقّص ، وقدّم وأخر . ورواها عن أنس غيره من الحفّاظ على الصّواب ، فلم يذكروا المنام الّذي ذكره شريك المذكور . وانظر رواياتهم بأسانيدها ومتونها في تفسير ابن كثير رحمه اللّه تعالى « 2 » ؛ فقد جمع طرق حديث الإسراء جمعا حسنا بإتقان . ثمّ قال رحمه اللّه : « والحقّ أنّه عليه الصّلاة والسّلام أسري به يقظة لا مناما من مكّة إلى بيت المقدس راكبا البراق ، فلمّا انتهى إلى باب المسجد ربط الدّابّة عند الباب ودخله فصلّى في قبلته تحيّة المسجد ركعتين ، ثمّ أتي بالمعراج وهو كالسّلّم ذو درج يرقى فيها ، فصعد فيه إلى السّماء الدّنيا ، ثم إلى بقيّة السّموات السّبع ، فتلقّاه من كلّ سماء مقرّبوها ، وسلّم على الأنبياء الّذين في السّموات بحسب منازلهم ودرجاتهم ، حتّى مرّ بموسى الكليم في السّادسة ، وإبراهيم الخليل في السابعة ، ثمّ جاوز منزليهما صلى اللّه عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء ، حتّى انتهى إلى مستوّ يسمع فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر - بما هو كائن ، ورأ سدرة المنتهى ، وغشيها من أمر اللّه تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعدّدة ، وغشيتها الملائكة ، ورأ هناك جبريل على صورته وله ستّمائة جناح ، ورأ رفرفا أخضر قد سدّ الأفق ، ورأ البيت المعمور ، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضيّة مسندا ظهره إليه ؛ لأنّه الكعبة السّماويّة يدخله كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة ، يتعبّدون فيه ثمّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامة ، ورأ الجنّة والنّار . وفرض اللّه عليه هنالك الصّلوات خمسين ، ثم خفّفها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده . وفي هذا اعتناء بشرف الصّلاة وعظمتها . ثمّ هبط إلى بيت المقدس ، وهبط معه الأنبياء ؛ فصلّى بهم فيه لمّا حانت الصّلاة ، ويحتمل أنّها الصّبح من يومئذ . ومن النّاس من يزعم أنّه أمّهم في السّماء . والّذي تظاهرت به الرّوايات أنّه ببيت المقدس ، ولكن ، في بعضها أنّه كان أوّل دخوله إليه ، والظاهر أنّه بعد رجوعه إليه ، لأنّه لمّا مرّ بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا وهو يخبره بهم ، وهذا هو الّلائق ؛ لأنّه كان أوّلا مطلوبا إلى الجناب العلويّ ليفرض عليه وعلى أمّته ما يشاء اللّه تعالى . ثمّ لمّا فرغ من الّذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النّبييّن ، ثمّ أظهر شرفه وفضله
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في التعبير حديث 6982 ، ومسلم في الإيمان حديث 252 . ( 2 ) التفسير 3 / 23 ، 24 .