الشنقيطي

279

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ( 16 ) [ الدخان : 16 ] يعني يوم بدر . باب قوله تعالى : رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( 12 ) [ الدخان : 12 ] حدّثنا يحيى ، حدّثنا وكيع عن الأعمش ، عن أبي الضّحى ، عن مسروق قال : دخلت على عبد اللّه فقال : « إنّ من العلم أن تقول لما لا تعلم : واللّه أعلم ، إنّ اللّه قال لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ » ( 86 ) [ ص : 86 ] إنّ قريشا لمّا غلبوا النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم واستعصوا عليه قال : « اللّهمّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف » فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد ، حتى جعل أحدهم ير ما بينه وبين السّماء كهيئة الدّخان من الجوع قالوا . رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( 12 ) [ الدخان : 12 ] فقيل له : إن كشفنا عنهم عادوا ؛ فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا ، فانتقم اللّه منهم يوم بدر ؛ فذلك قوله : يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ( 10 ) [ الدخان : 10 ] إلى قوله جلّ ذكره إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ( 16 ) [ الدخان : 16 ] انتهى بلفظه من صحيح البخاري « 1 » . وفي تفسير ابن مسعود رضي اللّه عنه لهذه الآية الكريمة - ما يدلّ دلالة واضحة أنّ ما أذيقت هذه القرية المذكورة في ( سورة النّحل ) من لباس الجوع أذيقه أهل مكة ، حتّى أكلوا العظام ، وصار الرّجل منهم يتخيّل له مثل الدّخان من شدّة الجوع . وهذا التّفسير من ابن مسعود رضي اللّه عنه له حكم الرفع ؛ لما تقرر في علم الحديث : من أن تفسير الصحابيّ المتعلّق بسبب النّزول له حكم الرّفع ؛ كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله : تفسير صاحب له تعلّق * بالسّبب الرّفع له محقّق وكما هو معروف عند أهل العلم . وقد قدّمنا ذلك في ( سورة البقرة ) في الكلام : على قوله تعالى : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] . وقد ثبت في صحيح مسلم أنّ الدخان من أشراط الساعة « 2 » . ولا مانع من حمل الآية الكريمة على الدّخانين : الدّخان الذي مضى ، والدّخان المستقبل - جمعا بين الأدلة . وقد قدّمنا أنّ التّفسيرات المتعددة في الآية إن كان يمكن حمل الآية على جميعها فهو أولى . وقد قدّمنا أنّ ذلك هو الّذي حقّقه أبو العبّاس بن تيمية رحمه اللّه في رسالته ، في علوم القرآن ، بأدلّته . وأمّا الخوف المذكور في آية النّحل - فقد ذكر جل وعلا مثله عن أهل مكة أيضا على بعض تفسيرات الآية الكريمة التي هي وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ [ الرعد : 31 ] فقد جاء عن جماعة من السلف تفسير القارعة التي تصيبهم بسريّة

--> ( 1 ) كتاب التفسير حديث 4820 و 4821 و 4822 . ( 2 ) أخرجه عن حذيفة بن أسيد مسلم في الفتن وأشراط الساعة حديث 39 و 40 .