الشنقيطي

269

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وما زعمه المشركون واليهود : من أن النسخ مستحيل على اللّه لأنه يلزمه البداء ، وهو الرأي المتجدد - ظاهر السقوط ، واضح البطلان لكل عاقل ؛ لأن النسخ لا يلزمه البداء البتة ، بل اللّه جل وعلا يشرّع الحكم وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي في الوقت المعين ، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة ؛ فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم ، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة . كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه ، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه ، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء ؛ لأن اللّه عالم بأن حكمته الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له ، على وفق ما سبق في العلم الأزلي كما هو واضح . وقد أشار جل وعلا إلى علمه بزوال المصلحة من المنسوخ ، وتمحضها في الناسخ بقوله هنا : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ وقوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) [ البقرة : 106 ] ، وقوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ( 7 ) [ الأعلى : 6 - 7 ] فقوله : إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ( 7 ) بعد قوله : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ يدل على أنه أعلم بما ينزل ؛ فهو عالم بمصلحة الإنساء ، ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسي . مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة : المسألة الأولى - لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ عقلا وشرعا ، ولا في وقوعه فعلا ، ومن ذكر عنه خلاف في ذلك كأبي مسلم الأصفهاني - فإنه إنما يعني أنّ النسخ تخصيص لزمن الحكم بالخطاب الجديد ؛ لأن ظاهر الخطاب الأول استمرار الحكم في جميع الزمن . والخطاب الثاني دلّ على تخصيص الحكم الأول بالزمن الذي قبل النسخ ؛ فليس النسخ عنده رفعا للحكم الأول . وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله في تعريف النسخ : رفع لحكم أو بيان الزمن * بمحكم القرآن أو بالسنن وإنما خالف فيه اليهود وبعض المشركين ، زاعمين أنه يلزمه البداء كما بيّنّا . ومن هنا قالت اليهود : إنّ شريعة موسى يستحيل نسخها . المسألة الثانية - لا يصح نسخ حكم شرعي إلا بوحي من كتاب أو سنّة ؛ لأنّ اللّه جلّ وعلا يقول : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) [ يونس : 15 ] - وبه تعلم أنّ النسخ بمجرد العقل ممنوع ، وكذلك لا نسخ