الشنقيطي

270

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بالإجماع ؛ لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم : لأنه ما دام حيا فالعبرة بقوله وفعله وتقريره صلى اللّه عليه وسلم ، ولا حجة معه في قول الأمة ، لأن أتّباعه فرض على كل أحد ولذا لا بد في تعريف الإجماع من التقييد بكونه بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، كما قال صاحب المراقي في تعريف الإجماع : وهو الاتفاق من مجتهدي * الأمة من بعد وفاة أحمد وبعد وفاته ينقطع النسخ ؛ لأنه تشريع ، ولا تشريع البتة بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، وإلى كون العقل والإجماع لا يصح النسخ بمجردهما - أشار في مراقي السعود أيضا بقوله في النسخ : فلم يكن بالعقل أو مجرد * الإجماع بل ينمى إلى المستند وقوله « بل ينمى إلى المستند » يعني أنه إذا وجد في كلام العلماء أنّ نصا منسوخ بالإجماع ، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع ، لا بنفس الإجماع ؛ لما ذكرنا من منع النسخ به شرعا . وكذلك لا يجوز نسخ الوحي بالقياس على التحقيق ، وإليه أشار في المراقي بقوله : ومنه نسخ النص بالقياس * هو الذي ارتضاه جل الناس أي وهو الحق . المسألة الثالثة - اعلم أنّ ما يقوله بعض أهل الأصول من المالكية والشافعية وغيرهم : من جواز النسخ بلا بدل ، وعزاه غير واحد للجمهور ، وعليه درج في المراقي بقوله : وينسخ الخف بما له ثقل * وقد يجيء عاريا من البدل أنه باطل بلا شك . والعجب ممن قال به العلماء الأجلاء مع كثرتهم ، مع أنه مخالف مخالفة صريحة لقوله تعالى : * ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [ البقرة : 106 ] فلا كلام البتة لأحد بعد كلام اللّه تعالى : أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ( 122 ) [ النساء : 122 ] ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ( 87 ) [ النساء : 87 ] ، أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [ البقرة : 140 ] فقد ربط جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين النسخ ، وبين الإتيان ببدل المنسوخ على سبيل الشرط والجزاء . ومعلوم أن الصدق والكذب في الشرطية يتواردان على الربط ؛ فيلزم أنه كلما وقع النسخ وقع الإتيان بخير من المنسوخ أو مثله كما هو ظاهر . وما زعمه بعض أهل العلم من أن النسخ وقع في القرآن بلا بدل وذلك في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [ المجادلة : 12 ] فإنه نسخ بقوله : أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ [ المجادلة : 13 ] الآية ، ولا بدل لهذا المنسوخ .