الشنقيطي
248
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال بعض العلماء : وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) أي يعتبون ، بمعنى يزال عنهم العتب ، ويعطون العتبى وهي الرضا ؛ لأن اللّه لا يرضى عن القوم الكافرين . وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة الجمهور : وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 ) [ فصلت : 24 ] أي وإن يطلبوا العتبى - وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم - فما هم من المعتبين ؛ بصيغة اسم المفعول : أي المعطين العتبى وهي الرضا عنهم ؛ لأن العرب تقول : أعتبه إذا رجع إلى ما يرضيه ويسره ، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي : أمن المنون وريبه تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع أي لا يرجع الدهر إلى مسرة من جزع ورضاه . وقول النابغة : فإن كنت مظلوما فعبد ظلمته * وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب وأما قول بشر بن أبي خازم : غضبت تميم أن تقتل عامر * يوم النسار فأعتبوا بالصيلم يعني أعتبناهم بالسيف ، أي أرضيناهم بالقتل ؛ فهو من قبيل التهكم ، كقول عمرو بن معدي كرب : وخيل قد دلفت لها بخيل * تحية بينهم ضرب وجيع لأن القتل ليس بإرضاء ، والضرب الوجيع ليس بتحية . وأما على قراءة من قرأ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا [ فصلت : 24 ] بالبناء للمفعول فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 ) [ فصلت : 24 ] بصيغة اسم الفاعل ، فالمعنى : أنهم لو طلبت منهم العتبى وردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة اللّه وطاعة رسله ، فما هم من المعتبين : أي الراجعين إلى ما يرضي ربهم ، بل يرجعون إلى كفرهم الذي كانوا عليه أولا . وهذه القراءة كقوله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) [ الأنعام : 28 ] . قوله تعالى : وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 ) [ 85 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار إذا رأوا العذاب لا يخفف عنهم ، ولا ينظرون أي لا يمهلون ، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر . وبين أنهم يرون النار وأنها تراهم ، وأنها تكاد تتقطع من شدة الغيظ عليهم ؛ كقوله تعالى : لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 39 ) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 40 ) [ الأنبياء : 39 - 40 ] ، وقوله : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 ) [ الكهف : 53 ] ، وقوله : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ