الشنقيطي
242
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ( 166 ) [ الشعراء : 166 ] فإنه يدل في الجملة على أن تركهم ما خلق اللّه لهم من أزواجهم ، وتعديه إلى غيره يستوجب الملام ، وإن كان أصل التوبيخ والتقريع على فاحشة اللواط ؛ لأن أول الكلام أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ [ الشعراء : 165 - 166 ] فإنه وبخهم على أمرين : أحدهما - إتيان الذكور . والثاني - ترك ما خلق لهم ربهم من أزواجهم . وقد دلت الآيات المتقدمة على أن ما خلق لهم من أزواجهم ، هو الكائن من أنفسهم ؛ أي من نوعهم وشكلهم ؛ كقوله : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ، وقوله : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ الروم : 21 ] الآية ، فيفيد أنه لم يجعل لهم أزواجا من غير أنفسهم . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) [ 73 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار يعبدون من دون اللّه ما لا يملك لهم رزقا من السماوات بإنزال المطر ، ولا من الأرض بإنبات النبات . وأكد عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون ، أي لا يملكون أن يرزقوا . والاستطاعة منفية عنهم أصلا ؛ لأنهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء . ويفهم من الآية الكريمة : أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق ؛ لأن أكلهم رزقه ، وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل . وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية الكريمة بينه جل وعلا في مواضع أخر ، كقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 17 ) [ العنكبوت : 17 ] ، وقوله : أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ( 21 ) [ الملك : 21 ] ، وقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) [ الذاريات : 56 - 58 ] وقوله : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام : 14 ) ، وقوله : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) [ طه : 132 ] ، وقوله : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ فاطر : 3 ] الآية ، وقوله : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 31 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . تنبيه في قوله شَيْئاً في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من الإعراب : الأول - أن قوله رِزْقاً مصدر ، وأن شَيْئاً مفعول به لهذا المصدر ؛ أي ويعبدون