الشنقيطي

241

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مسألة اختلف العلماء في جواز المناكحة بين بني آدم والجن ؛ فمنعها جماعة من أهل العلم ، وأباحها بعضهم . قال المناوي ( في شرح الجامع الصغير ) : ففي الفتاو السراجية للحنفية : لا تجوز المناكحة بين الإنس والجن وإنسان الماء ؛ لاختلاف الجنس . وفي فتاو البارزي من الشافعية : لا يجوز التناكح بينهما . ورجح ابن العماد جوازه اه . وقال الماوردي : وهذا مستنكر للعقول ؛ لتباين الجنسين ، واختلاف الطبعين ؛ إذ الآدمي جسماني ، والجني روحاني . وهذا من صلصال كالفخار ، وذلك من مارج من نار ، والامتزاج مع هذا التباين مدفوع ، والتناسل مع هذا الاختلاف ممنوع اه . وقال ابن العربي المالكي : نكاحهم جائز عقلا ؛ فإن صح نقلا فبها ونعمت . قال مقيده عفا اللّه عنه : لا أعلم في كتاب اللّه ولا في سنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم نصا يدل على جواز مناحكة الإنس الجن ، بل الذي يستروح من ظواهر الآيات عدم جوازه . فقوله في هذه الآية الكريمة : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ النحل : 72 ] الآية . ممتنا على بني آدم بأن أزواجهم من نوعهم وجنسهم - يفهم منه أنه ما جعل لهم أزواجا تباينهم كمباينة الإنس للجن ، وهو ظاهر . ويؤيده قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [ الروم : 21 ] . فقوله : أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً في معرض الامتنان - يدل على أنه ما خلق لهم أزواجا من غير أنفسهم ؛ ويؤيد ذلك ما تقرر في الأصول من « أن النكرة في سياق الامتنان تعم » فقوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً جمع منكر في سياق الامتنان فهو يعم ، وإذا عم دل ذلك على حصر الأزواج المخلوقة لنا فيما هو من أنفسنا ، أي من نوعنا وشكلنا . مع أن قوما من أهل الأصول زعموا « أن الجموع المنكرة في سياق الإثبات من صيغ العموم » . والتحقيق أنها في سياق الإثبات لا تعم ، وعليه درج في مراقي السعود حيث قال في تعداده للمسائل التي عدم العموم فيها أصح : منه منكر الجموع عرفا * وكان والذي عليه انعطفا أما في سياق الامتنان فالنكرة تعم . وقد تقرر في الأصول « أن النكرة في سياق الامتنان تعم » ، كقوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) [ الفرقان : 48 ] أي فكل ماء نازل من السماء طهور . وكذلك النكرة في سياق النفي أو الشرط أو النهي ؛ كقوله : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 59 ] ، وقوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 6 ] الآية ، وقوله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً [ الإنسان : 24 ] الآية . ويستأنس لهذا بقوله : وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ