الشنقيطي
211
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] ، وقوله تعالى : خافِضَةٌ رافِعَةٌ ( 3 ) [ الواقعة : 3 ] لأنها ترفع أقواما كانت منزلتهم منخفضة في الدنيا ، وتخفض أقواما كانوا ملوكا في الدنيا ، لهم المكانة الرفيعة - وقوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) [ غافر : 16 ] . ونظير هذه الآية المذكورة قوله : وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ( 8 ) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ( 9 ) [ الصافات : 8 - 9 ] أيّ دائم . وقيل : عذاب « وجمع مؤلم » والعرب تطلق الوصب على المرض ، وتطلق الوصوب على الدوام . وروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع ابن الأزرق عن قوله تعالى : وَلَهُ الدِّينُ واصِباً قال له : الوصب الدائم ، واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي : وله الدين واصبا وله المل * ك وحمد له على كل حال ومنه قول الدؤلي : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه * يوما بذم الدهر أجمع واصبا وممن قال بأن معنى الواصب في هذه الآية الدائم : ابن عباس « 1 » ومجاهد ، وعكرمة وميمون بن مهران ، والسدي وقتادة ، والحسن والضحاك ، وغيرهم . وروي عن ابن عباس أيضا واصبا : أي واجبا « 2 » . وعن مجاهد أيضا : واصبا : أيّ خالصا . وعلى قول مجاهد هذا ، فالخبر بمعنى الإنشاء ؛ أيّ ارهبوا أن تشركوا بي شيئا ، وأخلصوا لي الطاعة - وعليه فالآية كقوله : أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) [ آل عمران : 83 ] ، وقوله : أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ [ الزمر : 3 ] ، وقوله : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : 5 ] ، وقوله : « واصبا » حال عمل فيه الظرف . وقوله تعالى : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 ) [ 52 ] . أنكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة على من يتقي غيره ، لأنه لا ينبغي أن يتقى إلا من بيده النفع كله والضر كله ؛ لأن غيره لا يستطيع أن ينفعك بشيء لم يرده اللّه لك ، ولا يستطيع أن يضرك بشيء لم يكتبه اللّه عليك . وقد أشار تعالى هنا إلى أن إنكار اتقاء غير اللّه ، لأجل أن اللّه هو الذي يرجى منه النفع ، ويخشى منه الضر ، ولذلك أتبع قوله : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 ) بقوله : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ( 53 ) [ 53 ] . ومعنى تجأرون : ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة عند نزول الشدائد ؛ ومنه قول الأعشى أو النابغة يصف بقرة :
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 14 / 81 . ( 2 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 14 / 81 .